عليه أن العقل لا سبيل له لإثبات المطالب الإلهية، على سبيل الاستقلال، بل الطريق لإثبات الصفات ينحصر في التالي: 1 - صفات يكون إثباتها بالنقل والعقل معاً، وهي كثيرة مثل صفة الحياة والقدرة، والعلم والعلو مثلاً، وهي المعروفة عند الأشاعرة بصفات المعاني. 2 - صفات يكون إثباتها بالنقل فقط، ولولا النقل لعجز العقل عن إثباتها مثل صفة النزول والمجيء والاستواء على العرش مثلاً، ولا توجد صفة يتم إثباتها عن طريق العقل فقط دون النقل، فالقسمة إذاً ثنائية فقط، كما ترى. وعلى هذا فإن ما تزعمه المؤولة من المعتزة وأشباههم، من أن الدليل العقلي وهو العمدة في باب الصفات، بحيث لو تعارض العقل والنقل قدم العقل، لأنه الأصل، فزعم باطل، لما عرفنا مما تقدم من عدم التعارض بين الدليلين. وهذه خلاصة ما كان عليه سلف هذه الأمة، كما أوضحنا في بيان منهج السلف في إثبات الصفات وهو واضح جداً كما تقدم. أما المعتزلة فنختم مناقشتهم بالآية الكريمة من سورة النجم: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} 241، لإعراضهم كلياً عن النصوص واستخفافهم بها من الغلو في تقديس آراء الفلاسفة والركوع أمامها ... كما يظهر جلياً أنهم قطعوا علاقتهم بسلف الأمة إذ تراهم دائماً ينهجون منهجاً مخالفاً لمنهج السلف الصالح الذي هو التقيد بالكتاب والسنة مع اعتقاد أن العقل في حال سلامته يتبع النقل ولا يخالفه.

--------------------------------------------------------------------------------

219 شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار تحقيق د. عبد الكريم عثمان مكتبة وهبة، والشهرستاني في الملل والنحل.

220 أحمد بن رسلان الشافعي في خاتمة (الزبد).

221 ابن خلكان في وفيات الأعيان 3/ 248.

222 البغدادي الفرق بين الفرق ص: 20 - 21.

223 وفيات الأعيان لابن خلكان 3/ 248.

224 شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص: 40، تحقيق عبد الكريم عثمان.

225 مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ص: 216، تحقيق محي الدين عبد الحميد.

226 سورة النجم آية: 3، 4.

227 سورة البقرة آية: 140.

228 سورة الشورى آية: 11.

229 سورة مريم آية: 65.

230 سورة طه آية: 110.

231 سورة الإخلاص آية: 1 - 4.

232 شرح الطحاوية ص: 219، وأخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع.

233 سورة الأعراف آية: 33.

234 سورة الإسراء آية: 36.

235 سورة الحج آية: 8.

236 ليس غرضنا مهاجمة العقل أو الأدلة العقلية، وإنما غرضنا بينان أن المعتزلة لا تقيم وزناً للأدلة النقلية، وهو تصرف خاطئ.

237 سورة يونس آية: 32.

238 الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة بتحقيق مصطفى عبد الجواد عمران الطبعة الثالثة في 1388هـ.

وقد ذكر الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري المتوفى سنة 360هـ في كتابه (الشريعة) لهذا الحديث عدة روايات نختار منها رواية واحدة وهي التي يقول فيها بسنده عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال حين صلى الظهر بالناس - بمكة شرفها الله تعالى- فقال: ألا إن رسول الله عليه الصلاة والسلام قام فينا فقال: "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة"، ثم قال رحمه الله: رحم الله عبداً حذر هذه الفرق، وجانب البدع، واتبع ولم يبتدع، ولزم الأثر، وطلب الطريق المستقيم، واستعان بمولاه الكريم. (الشريعة 18).

239 راجع المعارضة والرد لسهل بن عبد الله التستري المتوفي 283هـ، تحقيق وتعليق الدكتور كمال جعفر ص: 75.

240 استناد لقول عمار بن ياسر رضي الله عنه إذ يقول: "ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان:

1 - الإنصاف من نفسك.

2 - بذل السلام للعالم.

3 - الإنفاق من الإقتار.

صحيح البخاري، كتاب الإيمان باب إفشاء السلام من الإسلام، بشرح فتح الباري 1/ 103 الطبعة السلفية بتحقيق عبد الباقي.

241 سورة النجم آية: 23، والآية وإن كانت في الأصل في غير المسلمين ولكنها تجر ذيلها على كل من يتعمد مخالفة ما جاءه من الهدى واتبع هواه، تتناول كل مخالف بحسب مخالفته، لأن العبرة في النصوص بعموم اللفظ وإن اختلفت الجهات لا بخصوص السبب ... وهي قاعدة مدونة لدى الأصوليين وفي علوم القرآن والحديث.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015