وبلغه أن ناسا يجتمعون في المسجد ويقول أحدهم: هلّلوا كذا، وسبحوا كذا، وكبروا كذا، فيفعلون، فقال ابن مسعود: (إنكم لأهدى من أصحاب محمد أو أضل، بل هذه بل هذه) (3) يعني: أضل.
فانظر إلى إنكارهم لهذا الصنيع، مع أن فاعل ذلك ربما {يحتج بـ} ـدخوله (4) تحت قوله (5): [اذكروا الله ذكرا كثيرا] {الآية} (2)، وإنما أنكر ابن مسعود الذكر على هذه الهيئة التي لم يكن الصحابة يفعلونها.
وقال ابن مسعود: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة) (1)، وقال حذيفة: (اتبعوا سبيلنا فلئن اتبعتمونا لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن خالفتمونا لقد ضللتم ضلالا بعيدا) (2)، والآثار عن الصحابة في ذلك كثيرة، وكذلك الآثار عمن بعدهم في النهي عن البدع والتحذير منها.
ومن ذلك كراهة الإمام أحمد للقارئ إذا أتى على سورة الصمد أن يكررها ثلاثاً، لعدم وروده عمن سلف، مع ما ورد فيها من الفضل، وكذا روي عن مالك، وسفيان، وغيرهما.
وكره أحمد قراءة سورة الجمعة في عشاء ليلة الجمعة لعدم وروده، وإن كانت المناسبة فيه ظاهره {م ق 3}، وكلامهم في ذلك كثير.
وكذا كراهتهم الدعاء إذا جلسوا بين التراويح، وكذا قول المؤذن قبل الأذان: [وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ... ] الآية، وكقوله {ق 2} قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ونحو ذلك من المحدثات.
ومثل ذلك ما أحدثوه من أزمنة من رفع الأصوات في المنابر ليلة الجمعة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يسمونه التذكير، فلو كان ذلك خيرا يحبه الله لسبقنا إليه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم قد كفوا من بعدهم، كما قالوا: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)، فإنهم رضي الله عنهم بالخير أعلم، وعليه أحرص، فمن ابتدع شيئاً يتقرب به إلى الله {تعالى} (1)، ولم يجعله الله ورسوله قربة، فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله [أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله]، واستدرك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم لم يعلموا ما علمه، أو أنهم لم يعملوا بما علموا، فلزم استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وتقصيرهم في العمل، فهم رضي الله عنهم قد كفوا من بعدهم، والخير في الإتباع، والشر في الابتداع.
أرأيت لو أن رجلاً أذن، فكبر أول الأذان خمس مرات، أو ست مرات، أو كرر لا إله إلا الله في آخر الأذان ثلاث مرات، أو أربع {مرات} (2)، أليس ينكر عليه؟ وإن احتج بفضل الذكر، وبقوله: [اذكروا الله ذكراًُ كثيرا] ونحو ذلك، وكذا لو زاد في الصلاة ركعة، وقال: هذه زيادة خير، فيدخلوا (3) تحت قوله تعالى: [وافعلوا الخير] ونحو ذلك.
والحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا، نسأله برحمته الوفاة على الإسلام والسنة، آمين {آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم} (1).
المصدر: فتاوى للشيخ لم تطبع بعد هي قيد التحقيق من قبل العبد الضعيف سهل الله إتمامها آمين