* قوله: (وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء): يحتمل أن يشير إلى أنه أودعه قلبه، وسهل عليه حفظه، وما في القلوب لا يخشى عليه الذهاب بالغسل.

ويحتمل أن يريد الإشارة إلى حفظه وبقائه على مر الدهر، لا ينسخ ولا ينسى بالكلية، فكنى عن هذا بهذا اللفظ.

ويحتمل: أنه كتاب واضحة آياته، بينات معجزاته، لا يبطله جور جائر ولا تدحضه شبهة مناظر.

وكل هذه المعاني واردة؛ فهو محفوظ في الصدور لا يتطرق إليه الذهاب، بل يبقى على ممر الأزمان، سهل واضح معجز، وهكذا.

وقد عبر عن إبطال حكمه وترك قراءته والإعراض عنه بغسل أوراقه بالماء على سبيل الاستعارة.

* قوله: (تقرؤه نائما ويقظان): أي: يصير لك ملكة بحيث يحضر في ذهنك وتلتفت إليه نفسك في أغلب الأحوال، فلا تغفل عنه نائما ويقظان، فإنه قد يقال للقادر على الشيء الماهر به: هو يفعله نائما.

ويحتمل أن يريد أنه صلى الله عليه وسلم يوحي إليه في منامه كما يوحي إليه في يقظته، وأن ما يراه في منامه من ذلك حق موثوق به كما يوثق باليقظة، ولا يبعد أن الباري سبحانه يريد في المنام آية من القرآن يقرؤها تقدم إنزالها، أو يكون أعلم بصحتها يقظان.

ويحتمل أنه يقرؤه مضطجعا كما يقرؤه قائما. وسمي المضطجع نائما مجازا؛ لأن المضطجع يصلي كذلك إذا عجز عن القيام أو لعذر، لكن قوله: "يقظان" لا يكون فيه مقابلة لقوله: "نائما" إذا تأولناه على المضطجع، فيكون التأويل الأول ترجح بما في لفظه حين المماثلة.

ويمكن أن يكون معناه: أنه محفوظا لك في حالتي النوم واليقظة. وقيل: تقرأه في يسر وسهولة. وكل هذه المعاني واردة.

* قوله: (وإن الله أمرني أن أحرق قريشا): "أحرق" أي: أهلكهم، يريد به كفارهم. ويمكن أن يكون المعنى: أغيظهم بما أسمع من الحق الذي يخالف أهواءهم، وأوذيهم بعيب آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، حتى كأني أحرقهم بالنار، لا أنه تعالى أمره بتحريقهم حقيقة؛ لأنه لم يرد أنه أحرق أحدا منهم.

* قوله: (فقلت: رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة): قوله: "يثلغوا" كذا هو بالثاء والغين المعجمة، ومعناه: يشدخوا، ويفضخوا، ويشجوا. وفي رواية "يقلعوا" بالقاف والعين المهملة؛ ولا يصح مع قوله: "فيدعوه خبزة" أو كما ورد في غير الصحيح: "كما يثلغ الخبزة". ووجد عند بعضهم: "يفلغوا" بالفاء والغين المعجمة. ووقع في غير مسلم: "تفلعوا" بالفاء والعين المهملة، ومعناه: يشقوا. وكذا رواه الخطابي وغيره. ومنه: تفلعت البطيخة.

والمعنى: أنه شبه الرأس إذا شدخ بالخبزة إذا شدخت وكسرت لتثرد وتسقى بالدهن والمرق. أو يكون معناه: إذا صار رأسه بالخدش مصفحا كالخبزة. وكلاهما وارد.

وهذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كقول موسى عليه السلام: {وأخاف أن يقتلون}، وهذه الخشية منهم صلى الله عليهم وسلم جميعا كانت في بدء الأمر، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحمايتهم وعصمتهم.

على أنه يمكن حمل هذا الخوف على الخوف الجبلي الذي لا يقدر على دفعه، حتى إذا راجع الإنسان نفسه وثبت اضمحل.

* قوله: (قال: استخرجهم كما استخرجوك): السين والتاء زائدتان؛ أي: أخرجهم كما أخرجوك، والمراد: كفارهم، وهو يدل أن هذا القول كان منه وهو بالمدينة؛ لأن أهل مكة هم الذين أخرجوه. وهذا كما قال الله تعالى: {جزاء وفاقا}، على أن إخراجهم إياه بالباطل، وإخراجه إياهم بالحق.

وفيه إشارة إلى ما وقع من الإعلان يوم البراءة أن كفار جزيرة العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف.

* قوله: (واغزهم نغزك): بضم النون؛ أي: نعينك وننصرك. من أغزيته إذا جهزته للغزو وهيأت له أسبابه. والمراد: جاهدهم.

* قوله: (وأنفق فسننفق عليك): أي: وأنفق ما في جهدك في سبيل الله فسنخلف عليك بدله في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين}، وهذا الأسلوب في العبارة هنا فيه وعد وتسلية.

* قوله: (وابعث جيشا نبعث خمسة مثله): أي: أرسل أنت جيشا كبيرا أو صغيرا، نبعث من الملائكة خمسة أمثال تعينهم، كما فعل يوم بدر. والله أعلم

وهذا الكلام يدل على أن هذا قبل بدر، لأنه كان يوم بدر في ألف ونيف من الصحابة، فأيده الله تعالى بخمسة آلاف كما نطق القرآن.

* قوله: (وقاتل بمن أطاعك من عصاك): وقاتل بمن أطاعك بمعونة أو قاتل معه، من عصاك ولم يؤمن بك.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015