لكن الإمام ابن القطان والحافظ الذهبي يذهبان إلى أن ابن حزم لم يعرف الترمذي، ولا رأى كتابه الجامع، فهما لم يذهبا إلى الجزم بوقوعه عنده، بل نفوا عنه ذلك بالكلية، والذي أراه القصد بينهما: بأنه لم يقع عنده ابتداءً فجهَّله، ووقع عنده فيما بعد فأثنى عليه، أو نقول: اعتراه السهوَ والوَهْمَ حينها، والله يعلم.
لماذا أقول ذلك، بل وأقطع به؟؟
لأن من عادة الإمام ابن حزم رحمه الله إذا تبيَّن له خلاف ما قال في راوٍ، أو أشار عليه أحدٌ بخطئه لم يتردد في تصحيحه والعدول عما كان غلطاً، فقد كان رحمه الله بحراً لا تكدِّره الدِّلاء، وإنما بوسع الطاقة التي هي ليست بمعصومة أصالةً، والتي تثبت البشرية بوقوعها في الخطأ، فمن ذا الذي يسلم!!، فهذا تلميذه البار الحميدي من العراق يخبره بصحة حديث (نهى رسول الله ? أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة، وليغترفا معا) فقد ضعَّفه ابن حزم بداود بن يزيد الأودي وصوابه (داود بن عبد الله الأودي)، فعَدَلَ وعدَّل.
وهو الذي يقول: ((وكذلك من جهِلَه إنسانٌ، وعَرَفَ عدالته آخر، فالذي عندَه يقينُ عدالتِه هو المحق)) ()، فبأي قولٍ بعده تحتجون!!
هذا .. وإن هناك مقولة للحافظ الذهبي رحمه الله، وهي: (( ... أنَّ جامع الترمذي لم يدخل بلاد الأندلس إلا بعد وفاة ابن حزم)). () يجب التعقيب عليها.
فأقول: هذا القول فيه نظر!!، فإن جامع الترمذي من مرويات الحافظ أبي عمر ابن عبد البر الأندلسي، قرين ابن حزم ورفيقه ()، وابن عبد البر يروي الكتاب عن شيخه أبي زكريا يحيى بن محمد الجياني ()، فإذا تذكرنا أن ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ لم يخرج من بلاد الأندلس، فمعنى هذا أن كتاب الترمذي قد أدخل الأندلس قبل وفاة ابن حزم بأكثر من خمس وستين سنة، فلماذا لا نقول أن الكتاب لعله لم يشتهر هناك إلا بعد وفاته!!، والله تعالى أعلم.
** (إلماعةٌ أخيرةٌ): نبهني بعض المشايخ أنه قد يكون مدار الإشكال كلُّه: إلى وقوع التصحيف في اسم الترمذي في كلام ابن حزم!!
وإيضاحه: أنه قد يكون مُصحَّفاً من: (محمد بن عيسى بن سورة) إلى: (محمد بن يعقوب بن سورة) ()!!
فتأملتُ وقلتُ: لا وجهَ لذلك، فإنَّ ابن حزم قد قام بتجهيل "محمد بن يعقوب بن سورة" أيضاً!!، وفي كلام الحافظ ابن حجر تصريحٌ بأنه جهَّلَه (أعني: ابن يعقوبٍ هذا) عند ذكر عددٍ ممن جهلهم ابن حزم، فما من إشكالٍ يُدارُ على تنبيههم.
فالراجح الذي أذهبُ إليه وأجزمُ به: ما حررتُه أعلاه، من عدم صحة نسبة هذا القول للإمام ابن حزم، وإذا قلنا به تنزُّلاً على الأوَّليِّة، فهاهو رحمه لم يجهِّله في آخر كتبه التي صنَّفها (وهو المُحلَّى)، بل ودونك ثناؤه عليه في رسالته (الباهرة) كما سَبَقَ إيرادُ كلامِه بتمام.
والله أعلم وأحكم .. ومنه نوال الخير المجمَّم
وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آل بيته وصحبه أجمعين ..
مشهور الحرازي.
ـ[حارث همام]ــــــــ[04 - Jun-2010, مساء 08:21]ـ
جزاك الله خيرا
ـ[الطيب صياد]ــــــــ[08 - Jun-2010, مساء 10:01]ـ
أحسن الله إليك و جزاك الله خيرا على هذه التنبيه المهمِّ، و الكلام الملمِّ بالموضوع ..
و العجب من التقليد كيف يدفع بالفضلاء أن يتوارد آخروهم على أوليهم فيجزموا بما لم يطلعوا عليه و لم يطلع عليه مقلَّدُهم ألبتةَ،
و ينبغي أن يكون هذا في البال، خاصة عند المهتمين بـ (الإنصاف) ..
ـ[ابن الشجري]ــــــــ[08 - Jun-2010, مساء 11:37]ـ
رحم الله الجميع، رحم الله منجنيق الإسلام ابن حزم، ورحم الله الحافظ الكبير الترمذي، ومثل هذه المسألة قد يراها البعض من ملح العلم وهي كذلك، إلا أنها من كباره، ولأهل الحديث صانهم الله عناية بمثل ذلك.
وإنك لتعجب من دقتهم وحذقهم بمثل هذا المنزع انتزعوه من كلام ابن حزم رحمه الله ـ على القول بثبوته ـ ومن تضاعيف كتبه المطولة، فكيف لو كان بين أيديهم هذه الشبكة المتدفقه بالعلم والمعرفة، وكيف لو توفر لهم ما استحدث في هذا الزمن من وسائل البحث والنظر ... ، سأترك لك التأمل والنظر ... فكلا الاحتمالين وارد.
أشكر أخي بدر على هذه الخاطرة اللطيفة.
¥