قراءة القرآن بالألحان للشيخ عبد الرحمن الحجي

ـ[القضاعي]ــــــــ[09 - Sep-2008, صباحاً 12:35]ـ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

فنظراً لانتشار التكلف في أحكام التجويد في عصرنا انتشاراً مخيفاً، حتى صرفت فيه جهود خيرة أبناء المسلمين وأوقاتهم، وحتى آل الأمر إلى التطريب والتلحين والتشبه بالفساق في ألحانهم وفسقهم، وحتى اقترب الأمر من اتخاذ آيات الله هزوا، وأصابنا ما أصاب أهل الكتابين قبلنا الذين قال الله فيهم (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون) وقال عنهم (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا)؛ لذا وجب التنبيه على سنة السابقين الأولين في ذلك حتى نتبعهم بإحسان. وخلاصة القول في طريقة تلاوة القرآن هي أن نقول:

إن من المتيقن أن الله ما جعل لرجل من قلبين في جوفه، فإذا صرف قلبه للتنطع في إقامة اللفظ كان ذلك على حساب التدبر للمعاني الذي من أجله أنزل القرآن،قال تعالى (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته) وقد أدركنا وسمعنا أقواماً من حذاق أهل التجويد قد اعترفوا بأنهم لا يستطيعون التدبر إن أرادوا القيام بكل القواعد المتكلفة في التجويد.

وإن الذي لا نشك فيه أن الصحابة كانوا يقرأون القرآن على سجيتهم وطبيعتهم دون لحن ولا تكلف، كما هي قراءة العلماء الراسخين الذين أدركناهم، وكما تواترت عليه أمة محمد عليه الصلاة والسلام جيلاً إثر جيل، وتواترها هذا أقوى من الصفات التي يأخذها القراء ويزعمون أنها متواترة. وقد أنكر الشافعي والإمام أحمد قراءة حمزة لما فيها من الإمالة وغيرها،قال ابن هانئ في مسائله برقم (1953 - 1954) سألت أبا عبدالله-يعني الإمام أحمد- قلت: نصلي خلف من يقرأ قراءة حمزة؟ قال إن كان رجلاً يقبل منك فانهه، قال أبو عبدالله: سمعت عبدالرحمن بن مهدي يقول: لو صليت خلف من يقرأ قراءة حمزة أعدت الصلاة.

وأنكر العلماء في كل العصور صرف الأوقات في المبالغة في التجويد وعدوه من تأثير الأعاجم على المسلمين، ومن ذلك ما يلي:

قال ابن قتيبة: "قد كان الناس يقرءون القرآن بلغاتهم دون تكلف، ثم خلف من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأبناء الأعاجم فهفوا وضلوا وأضلوا، وأما ما اقتضته طبيعة القارئ من غير تكلف فهو الذي كان السلف يفعلونه، وهوالتغني الممدوح".

وقال النووي: "إن لم يكن القارئ حسن الصوت حسّنه ما استطاع، ولا يخرج بتحسينه عن حد القراءة، وإلى التمطيط المخرج له عن حدوده". وقال ابن رشد: "الواجب أن ينزه القرآن عما يؤدي إلى هيئة تنافي الخشوع، ولا يقرأ إلا على الوجه الذي يخشع منه القلب، ويزيد في الإيمان، ويشوق فيما عند الله"

والتغني الممدوح هو ما تقتضيه الطبيعة، وتسمح به القريحة، من غير تكلف ولا تمرين وتعليم، بل إذا خلي وطبعه استرسلت طبيعته بفضل تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى رضي الله عنه: لحبرته لك تحبيرا. وقال شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما -في تزيين الصوت بالقرآن- هو التحسين والترنم بخشوع وحضور قلب، لا صرف الهمة إلى ما حجب به أكثر الناس بالوسوسة في خروج الحروف وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط، وشغله بالوصل والفصل، والإضجاع والإرجاع والتطريب، وغير ذلك، مما هو مفض إلى تغيير كتاب الله، والتلاعب به، حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع بالوسوسة في إخراج الحروف ليس من سنته.

ولابن ماجه عن جابر مرفوعًا: «إن من أحسن الناس صوتاً الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله»، ولأبي داود عن جابر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعرابي والأعجمي فقال: «اقرءوا فكلٌ حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القِدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه»، أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة للرياء والمباهاة والشهرة والتأكل، ويذهب الخشوع.

وقال الذهبي: "القراء المُجوّدة فيهم تنطع وتحرير زائد، يؤدي إلى أن المجود القارئ يبقى مصروف الهمة إلى مراعاة الحروف، والتنطع في تجويدها، بحيث يشغله ذلك عن تدبر كتاب الله، ويصرفه عن الخشوع في التلاوة حتى ذُكر أنهم ينظرون إلى حفاظ كتاب الله بعين المقت."

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015