قال الحرالي: والزوج ما لا يكمل المقصود من الشيء إلا معه على نحو من الاشتراك والتعاون , والتطهير تكرار إذهاب مجتنب بعد مجتنب عن الشيء؛ ولما ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الذين آمنوا وصل به ذكر الأزواج المستثمرة من حال نفوسهم من حسن أخلاقها وجمال صورتها الباطنة في الدنيا , وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها - انتهى. ولما كان خوف الزوال أو الانتقال إلى أدنى منغصا فلا تروق اللذة إلا مع الاستقرار وكان هذا الوصف عاما في جميع الجنان العلى وغيرها قال مقدما للجار إشارة إلى أنهم لا يكونون في جنة إلا وهذه صفتها وأن نعيمهم لا آخر له (وهم فيها) ولما أفاد تقديم الظرف تخصيص الكون بها وعدم الكون في غيرها وكان ذلك معنى الخلود وكان قد يطلق على الإقامة بلا نهاية على طول الإقامة وإن كان له آخر صرح به بيانا بأن المراد ما لا آخر له وإلا لم يفد شيئا جديدا فقال: (خالدون) والخلود طول الإقامة بالقرار , وسياق الامتنان أغنى عن تقييده بالتأبيد والدوام.
المعنى العام:
يا أيها الناس. . . . .هذا أمر لكل الناس بأمر عام وهو العبادة الجامعة لامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه وتصديق خبره فأمرهم تعالى بما خلقهم له
وإن كنتم في. . . . .وهذا دليل عقلي على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به
وفي قوله:) أعدت للكافرين (ونحوها من الآيات دليل لمذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان خلافا للمعتزلة وفيها أيضا أن الموحدين وإن ارتكبوا بعض الكبائر لا يخلدون في النار لأنه قال:) أعدت للكافرين (فلو كان [عصاة الموحدين] يخلدون فيها لم تكن معدة للكافرين وحدهم خلافا للخوارج والمعتزلة وفيه دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه وهو الكفر وأنواع المعاصي على اختلافها
وبشر الذين آمنوا. . . . .لما ذكر جزاء الكافرين ذكر جزاء المؤمنين أهل الأعمال الصالحات على طريقته تعالى في القرآن يجمع بين الترغيب والترهيب ليكون العبد راغبا راهبا خائفا راجيا
الأحكام:
قوله تعالى (الذي جعل لكم الأرض فراشا)
قال أصحاب الشافعي لو حلف رجل لا يبيت على فراش ولا يستسرج سراجا فبات على الأرض وجلس في الشمس لم يحنث لأن اللفظ لا يرجع إليهما عرفا
وأما علماؤنا فبنوه على أصلهم في الإيمان أنها محمولة على النية أو السبب أو البساط التي جرت عليه اليمين فإن عدم ذلك فالعرف وبعد أن لم يكن ذلك على مطلق اللفظ في اللغة و ذلك محقق في مسائل الخلاف
والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى وهذا عام في العبادات والمعاملات وهذا حديث غريب اجتمعت فيه فائدتان
إحداهما تأسيس القاعدة والثانية عموم اللفظ في كل حكم منوي
والذي يقول إنه إن حلف ألا يفترش فراشا وقصد بيمينه الاضطجاع أو حلف ألا يستصبح ونوى ألا ينضاف إلى نور عينيه نور يعضده فإنه يحنث بافتراش الأرض والتنور بالشمس وهذا حكم جار على الأصل
قوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا)
لم تزل هذه الآية مخبوءة تحت أستار المعرفة حتى هتكها الله عز وجل بفضله لنا وقد تعلق كثير من الناس بها في أن أصل الأشياء الإباحة إلا ما قام عليه دليل بالحظر واغتر به بعض المحققين وتابعهم عليه وقد حققناها في أصول الفقه بما الإشارة إليه أن الناس اختلفوا في هذه الآية على ثلاثة أقوال:
الأول أن الأشياء كلها على الحظر حتى يأتي دليل الإباحة
الثاني أنها كلها على الإباحة حتى يأتي دليل الحظر
الثالث أن لا حكم لها حتى يأتي الدليل بأي حكم اقتضى فيها
والذي يقول بأن أصلها إباحة أو حظر اختلف منزعه في دليل ذلك فبعضهم تعلق فيه بدليل العقل ومنهم من تعلق بالشرع والذي يقول إن طريق ذلك الشرع قال الدليل على الحكم بالإباحة قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) فهذا سياق القول في المسألة إلى الآية
فأما سائر الأقسام المقدمة فقد أوضحناها في أصول الفقه وبينا أنه لا حكم للعقل وأن الحكم للشرع ولكن ليس لهذه الآية في الإباحة ودليلها مدخل ولا يتعلق بها محصل
وتحقيق ذلك أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه على طريق العلم والقدرة وتصريف المخلوقات بمقتضى التقدير والإتقان بالعلم وجريانها في التقديم والتأخير بحكم الإرداة.
قوله تعالى (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
قال علماؤنا البشارة هي الإخبار عن المحبوب والنذارة هي الإخبار بالمكروه وذلك في البشارة يقتضي أول مخبر بالمحبوب ويقتضي في النذارة كل مخبر وترتب على هذا مسألة من الأحكام وذلك كقول المكلف من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر
فاتفق العلماء على أن أول مخبر له به يكون عتيقا دون الثاني
ولو قال من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر فهل يكون الثاني مثل الأول أم لا
اختلف الناس فيه فقال أصحاب الشافعي يكون حرا لأن كل واحد منهم مخبر وعند علمائنا لا يكون به حرا لأن الحالف إنما قصد خبرا يكون بشارة وذلك يختص بالأول وهذا معلوم عرفا فوجب صرف اللفظ إليه
فإن قيل فقد قال الله تعالى (فبشرهم بعذاب أليم) فاستعمل البشارة في المكروه
فالجواب أنهم كانوا يعتقدون أنهم يحسنون وبحسب ذلك كان نظرهم للبشرى فقيل لهم بشارتكم على مقتضى اعتقادكم عذاب أليم فخرج اللفظ على ما كانوا يعتقدون أنهم محسنون وبحسب ذلك كان نظر له على الحقيقة كقوله تعالى (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا)
¥