والحاصل أنه لما كان في آيات المنافقين ذكر الأمثال وكانوا قد استغربوا بعض أمثال القرآن وجعلوها موضعا للشك من حيث كانت موضعا لليقين فقالوا: لو كان هذا من عند الله لما ذكر فيه أمثال هذه الأمثال , لأنه أعظم من أن يذكر ما دعاهم إلى المعارضة في هذه السورة المدنية بكل طريق يمكنهم , وأخبرهم بأنهم عاجزون عنها وأن عجزهم دائم تحقيقا لأنهم في ذلك الحال معاندون لا شاكون.
ولما كان سبحانه عالما بأن الأنفس الأبية والأنوف الشامخة الحمية التي قد لزمتشيئا فمرنت عليه حتى صار لها خلقا يصعب عليها انفكاكها عنه ويعسر خلاصها منه عبر عن هذا الإخبار بالعجز مهددا في سياق ملجئ إلى الإنصاف بالاعتراف أو تفطر القلوب بالعجز عن المطلوب بقوله تعالى: (فإن لم تفعلوا) فأتى بأداة الشك تنفيسا لهم وتهكما في نفس الأمر بهم واستجهالا لهم , ثم لم يتمم ذلك التنفيس حتى ضربهم ضربة فضمت ظهورهم وقطعت قلوبهم فقال لتكون الآية كافلة لصحة نسبة النظم والمعنى آيد وآكد لادعائهم المقدرة بقوله تعالى: (ولن تفعلوا) فألزمهم الخزي بما حكم عليهم به من العجز , فلم يكن لهم فعل إلا المبادرة إلى تصديقه بالكف , فكانوا كمن ألقم الحجر فلم يسعه إلا السكوت , واستمر ذلك التصديق لهم ولأمثالهم على وجه الدهر في كل عصر ينادي مناديه فتخضع له الرقاب ويصدح مؤذنه فتنكسر الرؤوس , والتعبير بالفعل الأعم من الإتيان أبلغ لأن نفيه نفي الأخص وزيادة.
فثبت بهذا عجزهم وخرس قطعا إفصاحهم ورمزهم وطأطأ ذلا كبرهم وعزهم , وكيف يمكن المخلوق مع تمكنه في سمات النقص ودركات الافتقار والضعف معارضة من اختص بصفات الكمال وتعالى عن الأنداد والأشباه والأشكال.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في أواخر العنكبوت ما ينفع ها هنا وأشار سبحانه في تهديدهم بقوله: (فاتقوا النار) كذا قال الحرالي , وهي جوهر لطيف يفرط لشدة لطافته في تفريط المتجمد بالحر المفرط وفي تجميد المتمتع بالبرد المفرط.
وقال غيره: جسم لطيف مضيء حار من شأنه الإحراق (التي وقودها) أي الشيء الذي يتوقد ويتأجج به (الناس والحجارة) التي هي أعم من أصنامهم التي قرنوا بها أنفسهم في الدنيا إلى أنهم لم يقدروا على المعارضة واستمروا على التكذيب , كانوا معاندين ومن عاند استحق النار , وإلى أنهم إذا أحرقوا فيها أوقد عليهم بأصنامهم تعريضا بأنها وإن كانت في الدنيا لا ضرر فيها ولا نفع باعتبار ذواتها فهي في الآخرة ضرر لهم بلا نفع بشفاعة ولا غيرها؛ وتعريف النار وصلة الموصول لأن أخبار القرآن بعد ثبوت أنه من عند الله معلومة مقطوع بها فهو من باب تنزيل الجاهل منزلة العالم تنبيها على أن ما جهله لم يجهله أحد.
... الحرالي ... وقال: (وقودها) لأن النار أشد فعلها في وقودها لأن بتوسطه تفعل فيما سواه , فإذا كان وقودها محرقها كانت فيه أشد عملا لتقويها به عليه , ويفهم اعتبارها بنار الدنيا انقداحها من أعمال المجزيين بها ومن كونهم , فهم منها مخلوقون وبها مغتذون إلا أنها منطفية الظاهر في الدنيا متأججة في يوم الجزاء ومثال كل مجزي منها بمقدار ما في كونه من جوهرها.
ولما تم ذلك وكان (الناس) عاما للكافر وغيره كان كأنه قيل: هذه النار لمن؟ فقيل: (أعدت) أي هيئت وأكملت قبل زمن استعمالها وتقاد للمجهول لأن المشتكي إذا جهل فاعله كان أنكأ (للكافرين) فبين أنها موجودة مهيأة لهم ولكل من اتصف بوصفهم وهو ستر ما ظهر من آيات الله.
قال الحرالي: وهي عدة الملك الديان لهم بمنزلة سيف الملك من ملوك الدنيا - انتهى.
ولما ذكر ما لهم ترهيبا اتبعه ما للمؤمنين ترغيبا فقال صارفا وجه الخطاب بالرحمة إلى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم عاطفا على ما تقديره: فأنذرهم بذلك , ولكنه طواه لأن السياق للاستعطاف (وبشر) والبشرى قال الحرالي إظهار غيب المسرة بالقول: (الذين آمنوا) أي صدقوا الرسل (وعملوا) قال الحرالي: من العمل وهو فعل بني على علم أو زعمه (الصالحات) من الأقوال والأفعال , قال الحرالي: جمع صالحة , وهو العمل المتحفظ به من مداخل الخلل فيه , وإذا كانت البشرى لهؤلاء فالمؤمنون أحق بما فوق البشرى , وإنما يبشر من يكون على خطر , والمؤمن مطمئن فكيف بما فوق ذلك من رتبة الإحسان إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت , وما لا يناله علم نفس
¥