ذكر طرفي الإيمان والكفر وأحوال المؤمنين وأحوال الذين كفروا ذكر المنافقين المترددين بين الاتصاف بالطرفين بلفظ الناس لظهور معنى النوس فيهم لاضطرابهم بين الحالين , لأن النوس هو حركة الشيء اللطيف المعلق في الهواء كالخيط المعلق الذي ليس في طرفه الأسفل ما يثقله فلا يزال مضطربين جهتين , ولم يظهر هذا المعنى في الفريقين لتحيزهم إلى جهة واحده ... فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات وابتدائت قصتهم بالتنبيه على قلة عقولهم وخفة حلومهم من حيث أن محط حالهم أنهم يخادعون من لا يجوز عليه الخداع وان الذي حملهم على ذلك أنهم ليس لهم نوع شعور ولا شيء من إدراك بقوله تعالى جوابا لسؤال من كأنه قال: فما قصدهم بإظهار الإيمان والإخبار عن أنفسهم بغير ما هي متصفة به مع معرفتهم بقبح الكذب وشناعته وفظاعته وبشاعته؟ (يخادعونا الله) أي يبالغون في معاملته هذه المعاملة بإبطان غير ما يظهرون مع ما له من الإحاطة بكل شيء , والخداع أصله الإخفاء والمفاعلة في أصلها للمبالغة لن الفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده (والذين آمنوا) أي يعاملونهم تلك المعاملة , وأمر تعالى بإجراء أحكام الإسلام عليهم في الدنيا صورته صورة الخدع وكذا امتثال المؤمنين أمره تعالى فيهم.
(وما يخدعون) أي بما يغرون به المؤمنين (إلا أنفسهم) يعني أن عقولهم لخباثتها تسمى نفوسا وقراءة الحذف هذه لا تنافي قراءة يخادعون لن المطلق لا يخالف المقيد بالمبالغة , وعبر هنا بصيغة المفاعلة لشعورهم
(وما يشعرون) أي نوع شعور لإفراط جهلهم بأنهم لايضرون غير أنفسهم لأن الله يعلم سرهم كما يعلم جهرهم. وحذف متعلق للتعميم والشعور
ثم بين سبحان أن سبب الغفلة عن هذا الظاهر كون آلة إدراكهم مريضة , شغلها المرض عن إدراك ما ينفعها فهي لاتجنح الإ إلى ما يؤذيها , كالمريض لا تميل نفسه إلى غير مضارها فقال جوابا لمن كأنه قال: ما سبب فعلهم هذا من الخداع وعدم الشعور؟ (في قلوبهم مرض) أي من اصل الخلقة يوهن قوى الإيمان فيها ويوجب ضعف أفعالهم الإسلامية وخللها , لأن المرض كما قال الحرالي: ضعف في القوى يترتب عليه خلل في الأفعال (فزادهم الله) أي بما له من صفات الجلال والإكرام لمخادعتهم بما يون من عدم تأثيرها (مرضا) أي سوء اعتقاد بما يزيد من خداعهم وألما في قلوبهم بما يرون من خيبة مطلوبهم , فانسدعليهم باب الفهم والسداد جملة
(ولهم) أي مع ضرر الغباوة في الدنيا المحلقة بالبهائم (عذاب أليم) في الآخرة اي شديد الألم وهو الوجع اللازم. قاله الحرالي (وبما كانوا) قال الحرالي: من كان الشيء وكان الشيء كذا إذا ظهر وجوده وتمت صورته أو ظهر ذلك الكذا من ذات نفسه. انتهى.
(يكذبون) أي يوقعون الكذب وهو الإخبار عن أنفسهم بالإيمان مع تلبسهم بلكفران , والمعنى على قراءة التشديد يبالغون في الكذب , أو ينسون الصادق إلى الكذب , وذلك أشنع الكذب ولما أخبر تعلى عن بواطنهم أتبعه من الظاهر ما يدل عليه فبين أنهم إذا نهوا عن الفساد العام ادعوا الصلاح العام بقوله: (وذا قيل لهم) وبناؤه للمجهول إشارة إلى عصيانهم لكل قائل كائنا من كان (ولاتفسدوا في الأرض) أي بما نرى لكم من الأعمال الخبيثة والفساد انتقاض صورة الشيء. قال الحرالي (قالوا) قاصرين فعلهم على الصلاح نافين عنه كل فساد مباهتين غير مكترثين (إنما نحن مصلحون) والإصلاح تلاقي خلل الشيء. قال الحرالي ولما كان حالهم مبينا على الخداع بإظهار الخير وإبطان الشر وكانوا يرون لإسادهم لما لهم من عكس الإدراك إصلاحا فكانوا يناظرون عليه بأنواع الشبه كان قولهم ربما عر من سمعه من المؤمنين لأن المؤمن غركريم والكافر خب لئيم فقال تعالى محذرا من حالهم مثبتا لهم ما نفوه عن أنفسهم من الفساد وقاصرا له عليهم (ألانهم هم) أي خاصة (المفسدون) أي الكاملون الإفساد البالغون من العراقة فيه ما يجعل إفساد غيرهم بالنسبة إلى إفساد عدما لما في ذلك من خراب ذات البين وأخذ المؤمن منة المأمن وقال الحرالي: ولما كان حال الطمأنينة بالإيمان إصلاحا وجب أن يكون اضرارهم فيه إفسادا لاسيما مع ظنهم أن كونهم مع هؤلاء تارة ومع هؤلاء تارة من الحكمة والإصلاح وهو عين الإفساد لاسيما مع ظنهم أن كونهم مع هؤلاء تارة من الحكمة والإصلاح
¥