ومن أمثلة أوهام أبي الزبير قصة ابن عمر عندما طلق زوجته وهي حائض. وقد أخطأ بها أبو الزبير الخطأ الفاحش وخالف الثقات الأثبات حتى قال أبو داود في سننه (2|256): «والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير». وقال ابن عبد البر في التمهيد: «إنه قد خالف أصحاب ابن عمر». مع أنه صرح بالتحديث في ذلك الحديث. فدل هذا على أن ما فيه نكارة من حديثه، يجب رده.
وتدليس أبو الزبير ثابتٌ معروفٌ عنه مشهور، يعترف به. والتدليس هو إسقاط الراوي بينه وبين شيخه جابر t، مع أنه سمع منه بعض الأحاديث القليلة. روى العقيلي في الضعفاء وابن عدي في الكامل وابن حزم في المحلى (9|11) عن سعيد بن أبي مريم قال حدثنا الليث بن سعد قال: إن أبا الزبير دفع إلي كتابين (زاد في رواية: فانقلبت بهما، أي راجعاً من مكة). فقلت في نفسي لو سألته: أسمع هذا كله من جابر؟ فرجعت إليه فقلت: «هذا كله سمعته من جابر؟». فقال: «منه ما سمعته، ومنه ما حُدِّثْتُ عنه». فقلت له: «أَعْلِم لي على ما سمعت». فأعْلَمَ لي على هذا الذي عندي. (ولعلّ تلك الأحاديث التي سمعها منه هي 27 حديث). قال ابن حزم: «فكل حديث لم يقل فيه أبو الزبير أنه سمعه من جابر، أو حدثه به جابر، أو لم يروه الليث عنه عن جابر، فلم يسمعه من جابر بإقراره. ولا ندري عمن أخذه. فلا يجوز الاحتجاج به».
والقصة رواها الفسوي في المعرفة (1|166) مختصرة جداً: عن ابن بكير قال: وأخبرني حبيش بن سعيد عن الليث بن سعد قال: «جئت أبا الزبير فأخرج إلينا كتاباً، فقلت: "سماعُك من جابر؟ ". قال: "ومن غيره". قلت: "سماعَك من جابر". فأخرج إليّ هذه الصحيفة». فقد أخرج أبو الزبير في أول الأمر كتاباً كاملاً. فلما طالبه الليث بما سمعه فقط، أخرج صحيفة فقط من أصل الكتاب. فهذا يدل على أن غالب ما رواه عن جابر إنما دلسه عنه ولم يسمعه منه. فهو مكثرٌ من التدليس لا مُقِل. وقد أخرج مسلمٌ وحده من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر 22 حديثاً. وأخرج بهذه الترجمة بعض أصحاب السنن خمسة أخرى (إن صح الإسناد لليث). فهي 27حديثاً فقط، مما وصل إلينا.
وقد قال الليث: «فقلت له: "أَعْلِم لي على ما سمعت". فأعْلَمَ لي على هذا الذي عندي». فمن غير المعقول إذاً على أبي الزبير –وهو الحريص على تنفيق بضاعته– أن يعلّم له على بضعة أحاديث فقط ويقول له هذا بعض ما سمعت ولن أخبرك بالباقي!! فيكون قد غش الليث مرة أخرى لأن الليث قال له «أَعْلِم لي على ما سمعت». أي على كل ما سمعت. فقد دلّس على الليث قطعاً في أول الأمر. وكاد الليث يرجع لبلده لولا أنه عرف تدليس أبي الزبير، فعاد إليه وطلب منه التعليم على ما سمعه فقط.
أما أن شُعْبَة قد روى عنه، فهذا فيه خلاف. قال الخليلي في الإرشاد (2|495): «شعبة لا يروي عن أبي الزبير شيئاً». وقال ابن حبان في المجروحين (1|151) (1|166 - تحقيق حمدي السلفي): «ولم يسمع شعبة من أبي الزبير إلا حديثاً واحداً، أن النبي r صلى على النجاشي». يقصد لم يرو عنه إلا حديثاً واحداً، وإلا فقد سمع الكثير وما روى عنه. ولو فرضنا أن شعبة قد روى عنه، فقد رجع عن ذلك، وضعّف أبا الزبير. قال نعيم بن حماد سمعت هشيماً يقول: سمعت من أبي الزبير فأخذ شعبة كتابي فمزَّقه. قال ورقاء: قلت لشعبة: مالك تركت حديث أبي الزبير؟ قال: «رأيته يزن ويسترجح في الميزان». وقال شعبة لسويد بن عبد العزيز: «لا تكتب عن أبي الزبير فإنه لا يحسن أن يصلي».
ثم إن حدّث شعبة عنه فلا ينف هذا أن يكون مُدلّساً. فقد حدَّث شعبة عن قتادة وعن كثيرٍ من المحدثين. نعم، ما يرويه شعبة عن المدلّسين فهو محمولٌ على الاتصال، ولا ينفِ هذا تدليس شيخ شعبة إن روى عنه غيره. وقال أحد أهل الجهل بأن شعبة يضعف الراوي المدلس، فتكون روايته عن أبي الزبير توثيقاً له من التدليس. قلت: وهذا كلام لو سكت عنه صاحبه لكان خيراً له. فأين يذهب بقول قتادة: «كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبي إسحاق وقتادة»؟ وهؤلاء هم من أثبت أهل العراق في الحديث، فما اعتبر شعبة التدليس جرحاً لهم كالكذب والزنا، لكنه لم يرو عنهم إلا ما سمعوه من مشايخهم وأعرض عما لم يبينوا فيه السماع، لعلمه بأنهم مدلسين. والتدليس عند جمهور الحفاظ ليس بجرحٍ في الراوي إلا إذا تعمد التدليس عن مجروحين ليخفي ضعفهم. وكونه قد سمع الكثير من حديث أبي
¥