أما ما كان ضعيفاً موضوعاً أو منقطعاً أو مقلوباً في سنده أو متنه أو من رواية المجاهيل أو مخالفاً لما أجمع عليه السلف طبقة بعد طبقة فلا سبيل إلى القول به.

فالصحة أن يشترط مؤلف الكتاب على نفسه إيراد ما صح أو حسن غير مقلوب ولا شاذ ولا ضعيف إلا من بيان حاله، فإن إيراد الضعيف مع بيان حاله لا يقدح في الكتاب،

والشهرة أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة على ألسنة المحدثين قبل تدوينها وبعد تدوينها فيكون أئمة الحديث قبل المؤلف رووها بطرق شتي وأوردوها في مسانيدهم ومجاميعهم، وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب وحفظه وكشف مشكله وشرح غريبة وبيان إعرابه وتخريج طرق أحاديثه واستنباط فقهها والفحص عن أحوال رواتها طبقة بعد طبقة إلى يوما هذا حتى لا يبقى شيء مما يتعلق به غير مبحوث عنه إلا ما شاء الله، ويكون نقاد الحديث قبل المصنف وبعده وافقوه في القول بها وحكموا بصحتها وارتضوا رأي المصنف فيها وتلقوا كتابه بالمدح والثناء، ويكون أئمة الفقه لا يزالون يستنبطون منها ويعتمدون عليها ويعتنون بها، ويكون العامة لا يخلون عن اعتقادها وتعظيمها، وبالجملة فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان في كتاب كان من الطبقة الأولى ثم وثم وإن فقدتا رأسا لم يكن له اعتبار، وما كان أعلى حد في الطبقة الأولى فإنه يصل إلى حد التواتر، وما دون ذلك يصل إلى الاستفاضة ثم إلى الصحة القطعية أعنى القطع المأخوذ في علم الحديث المفسد للعمل والطبقة الثانية إلى الاستفاضة أو الصحة القطعية أو الظنية وهكذا ينزل الأمر.

فالطبقة الأولى محصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم قال الشافعي رحمه الله: أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك، واتفق أهل الحديث على أن جميع ما فيه صحيح على رأي مالك ومن وافقه، وأما على رأي غيره فليس فيه مرسل ولا منقطع إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى فلا جرم أنها صحيحة من هذا الوجه،

ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه،ويذكرون متابعاته وشواهدة،ويشرحون غريبة ويضبطون مشكله، ويبحثون عن فقهه، ويفتشون عن رجاله إلى غاية ليس بعدها غاية، وإن شئت الحق الصراح فقس كتاب الموطأ بكتاب الآثار لمحمد و الأمالي لأبي يوسف تجد بينه وبينهما بعد المشرفين فهل سمعت أحداً من المحدثين والفقهاء تعرض لهما وأعتنى بهما.

أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع وأنهما متواتران إلى مصنفيهما وأن كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين، وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة وكتاب الطحاوي ومسند الخوارزمي وغيرهما تجد بينها وبينهما بعد المشرقين.

وهذه الكتب الثلاثة التي اعتنى القاضي عياض في المشارق بضبط مشكلها ورد تصحيفها.

الطبقة الثانية كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين ولكنها تتلوها كان مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر في فنون الحديث،ةولم يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم وتلقاها من بعدهم بالقبول، واعتنى بها المحدثون والفقهاء طبقة بعد طبقة، واشتهرت فيما بين الناس، وتعلق بها القوم شرحا لغريبها، وفحصاً عن رجالها واستنباطاً لفقهها،وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم كسنن أبي داود وجامع الترمذي ومجتبي النسائي، وهذه الكتب مع الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها رزين في تجريد الصحاح وابن الأثير في جامع الأصول وكاد مسند أحمد يكون من جملة هذه الطبقة، فإن الإمام أحمد جعله أصلا يعرف به الصحيح والسقيم قال ((ما ليس فيه فلا تقبلوه)).

والطبقة الثالثة - مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم وفي زمانهم وبعدهما جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب، ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء كثير تداول ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحص، ومنه ما لم يخدمه لغوي لشرح غريب ولا فقيه لتطبيقه بمذاهب السلف، ولا محدث ببيان مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله، ولا أريد المتأخرين المتعمقين وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث، فهي باقية على استتارها واختفائها وخمولها كمسند أبي يعلي ومصنف عبد الرزاق

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015