تفسير القرآن بالرأي هو إعمال العقل والاجتهاد في تفسير القرآن الكريم والوقوف على دلالته ومقاصده. أي بالاجتهاد من خلال معرفة المفسر من كلام العرب ومعرفة دلالات الألفاظ والاستعانة بالشعر واللغة ومعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وما يتعلق أيضاً أصول الفقه ودلالاته ..

ولهذا النوع من التفسير شروط وضوابط علمية وضعها علماء هذا الشأن لمن يتصدى لهذا النوع من التفسير.

3ـ التفسير بالرأي بين القبول والرفض:

اختلف العلماء في التفسير بالرأي على أقوال أهمها:

-الرافضون لتفسير القرآن بالرأي معتبرين ذلك نوعا من القول على الله بغير علم، وأنه مهما ما بلغ إليه من نتائج يبقى ذلك في حدود الظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا، وهو منهي عنه في الكتاب والسنة. واستدلوا بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) سورة الإسراء الآية 36. وقوله عز وجل: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) سورة البقرة، الآية 169 ذ

أما السنة فقد استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ" (1).

كما استدلوا بمسلك الصحابة والتابعين في تعاملهم مع القرآن الكريم، حيث عرف عنهم تمسكهم الشديد بمنهج التحري والتثبت في إحجامهم القول في القرآن بغير علم .. وقد ساقوا عدة مرويات عن الصحابة والتابعين تدعم موقفهم هذا، من ذلك ما يروى عن أبي بكر الصديق عندما سئل عن حرف من القرآن فقال: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، وأين أذهب وكيف أصنع إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم؟ ".

ثم ما ورد عن سعيد بن المسيب: "أنه كان إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع شيئا" (2) إلى غيرها من الحجج التي استند عليها هؤلاء.

وقد رد المجيزون لهذا النوع من التفسير على هذه الأدلة. واستدل على جواز التفسير بالرأي من القرآن والسنة.

المجوزون للتفسير بالرأي بما ورد في القرآن من آيات كريمات تحث على التدبر وإعمال الرأي كقوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟) سورة محمد، الآية 24

وقوله عز وجل: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) سورة ص، الآية 29.

ثم إن الاجتهاد بالرأي هو الطريق الذي يفسح المجال لتحقق استمرارية الأحكام القرآنية، ويمنحها نوعا من المرونة والتكيف مع مختلف المستجدات والنوازل.

كما استدلوا باجتهادات الصحابة في التعامل مع القرآن الكريم، والدليل على ذلك ما أثر عنهم من اختلاف في بيان المسألة الواحدة.

ويبقى أن من التفسير بالمأثور ما هو مقبول وهو الذي توفرت فيه الضوابط العلمية. أما المرفوض فهو المبني عن مجرد الرأي والهوى ..

4 - الضوابط العلمية للتفسير بالرأي:

لقد وضع العلماء ضوابط وشروطا لمن يتصدى للتفسير بالرأي، ومن تلك الشروط والضوابط أن يكون ملما بجملة من العلوم: كعلوم اللغة العربية (كعلم النحو والصرف والبلاغة .. ) وقد قال مجاهد: "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب" لأن اللغة هي الوسيلة الوحيدة لتفسير مفردات الألفاظ ومدلولاتها، وعلم أسباب النزول، وعلم القصص، وعلم القراءات، وعلم الكلام، وعلم أصول الفقه، وعلم الناسخ والمنسوخ، والمعرفة بالأحاديث المبينة لمجمل القرآن، والعلم بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ..

ويبقى التفسير بالرأي كغيره من أقسام التفاسير الأخرى، بحاجة إلى من يجلي فيه حدوده وأبعاده ..

5 - نماذج من التفاسير بالرأي:

- "مفاتيح الغيب" لفخر الدين الرازي (ت 606هـ): وهو كتاب ضخم كبير، قال بعض أهل العلم: أن فيه كل شيء إلا التفسير؛ لأنه طوّل النفس في كل علم يمر به، فإذا جاء في اللغة طول فيها وسرد أيضاً حتى في مسائل علم الكلام كثيراً وذكر بعض العلوم الرياضية والفلكية، وتكلم مقرراً لمذهب الأشاعرة ويرد على الفرق المخالفة كالمعتزلة وغيرها ..

- "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" لناصر الدين البيضاوي (ت 691 هـ): وهو يعتبر التفسير الزمخشري، لكنه ترك ما فيه من الاعتزال في أكثر المواضع، وتابعه مع ذلك في ذكر للأحاديث الموضوعة في فضائل سور القرآن وأضاف إليه مزيجاً من الرازي والراغب الأصفهاني وبعض آثار السلف. ويتميز هذا التفسير بعباراته الموجزة والمحكمة، وذلك راجع إلى أن البيضاوي كان أصولياً غلبت عليه أصوليته وميله إلى الدقة والاختصار مع الجمع الجيد والمحكم ...

- "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" لنجم الدين النسفي (ت 691هـ): يتميز هذا التفسير بوضوح معانيه وشموليتها. وانتصاره للمذهب الحنفي واضح، وكان يستشهد ببعض الإسرائيليات وبعض الروايات الموضوعة.

- "تفسير الجلالين" لجلال الدين المحلي (ت864هـ) وجلال الدين السيوطي (ت911هـ): يركز هذا التفسير على المعاني الإجمالية، ويذكر أسباب النزول، وبعض الإعراب والقراءات، ويذكر مرجع الضمائر إلى المذكورات. ومن خصائص هذا التفسير سهولة معانيه .. إلى غيرها من أنواع التفاسير ..

الهوامش:

(1) - سنن الترمذي، ج2/ ص 157

(2) - التفسير والمفسرون:ج1 ص:260

طور بواسطة نورين ميديا © 2015