وَذِي نُبَذٌ مِنْ مُبْهَمِ الحُبِّ فَاَعْتَبِرْ وَغَامِضُهُ إنْ رُمْتَ شَرْحاً أطَوَّلُ
عَزِيزٌ بِكُمْ صَبٌّ ذَلِيلٌ لِعِزِّكُمْ وَمَشْهُورُ أوْصَافِ المُحِبِّ التَّذَلُلُ
غَرِيبٌ يُقَاسِي البُعْدَ عنْكَ وَ مَالَه وحَقِّك عَن دَارِ الْقِلَى مُتَحَوَّلُ
فَرِفْقاً بِمَقْطُوعِ الوَسائِلِ مالَهْ إلَيْك سَبِيلٌ لاَ وَلاَ عنْك مَعْدِلُ
فَلا زِلتَ في عِزَ مَنيعٍ وَرِفْعَةٍ وَلاَ زِلتَ تَعْلوُ بالتَجَنِّي فَأنْزِلُ
أُوَرِّي بِسُعدَى وَالرَّبَابِ وزيْنَبٍ وَأنْتَ الذِي تُعنى وأنْت المُؤمَّلُ
فَخُذْ أوَّلاْ مِن آخرٍ ثُمَّ أوَّلاً مِنَ النِّصْفِ مِنْهُ فَهوَ فِيهِ مُكَمَّلُ
أبَرُّ إذَا أقْسمْتُ أنِّيِ بِحُبِّهِ أهيِمُ وَقَلْبِي بالصبابة مُشْعَلُ
موضوع المنظومة
ما هو موضوع هذه القصيدة؟ أنوع الحديث في مصطلح الحديث، لعل الناظم لما رأى إقبال الناس
على الهوى والمحبة، قال: لا طريق لتعريفهم بالمصطلح إلا بأن نسلك هذا السبيل، فنظم الناظم
رحمه الله هذه القصيدة في هيئة الغزل، لكنها في الحقيقة تحتوي على أقسام الحديث وأنواعه في
علم مصطلح الحديث. وهذه القصيدة للعلامة ابن فرح الأشبيلي رحمه الله تعالى، شرحها العلامة
محمد السفاريني الحنبلي في كتابه: الملح الغرامية بشرح منظومة ابن فرح اللامية، وسنترك
ترجمة الناظم والشارح إلى النهاية إن شاء الله، ونشرع في الكلام على هذه القصيدة وما تحويه
من أنواع مصطلح الحديث. وهي تصلح لمن يريد أن يدرس مصطلح الحديث في البداية كما تصلح
البيقونية وغيرها، وقد شابه الناظمَ الشارحُ في أول شرحه، فقال: الحمد لله الذي رفع ذكر أهل
المحبة وفضل، وأجرى دمعهم مدبجاً على وجنة خد المعلل، وأوقفهم على الحسن فكلهم في قيد
الغرام مسلسل لا مرسل، وذللهم للجمال وإن كانوا من أعز العالم وأبسل، وأعضلهم عن مشافهة
من علقوا به فليست دفاترهم تملى على غيره أو تنقل، سبحانه وتعالى من إله وفق من أحبه
لصحيح القصد وخوّل، وفرق شمل من مقته وضعف قلبه وزلزل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له -فهو القديم- شهادةً تقطع عنا علائق الشرك وبها إلى خالص التوحيد نتوصل، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله الذي ما ترك منكراً إلا بتكه بسيفه العدل وأبطل، نبي ألف الله به بين قلوب
كانت قبله مختلفة لا توجل. إلى آخر المقدمة؛ ذكر فيها فضل علم الحديث، وأن هذه القصيدة قد
احتوت أقسام المصطلح ضمنها فيه على سبيل التورية فزادت بذلك ملاحتها، وظهرت فصاحتها، ثم
إنه ذكر عزمه على شرح هذه المنظومة.
تعريف الحديث الحسن وذكر كيفيات السماع
ولا حسنٌ إلا سماع حديثكم مشافهةً يملى عليَّ فأنقل
فما هي المصطلحات الحديثية في هذا البيت؟ الحسن والمشافهة والسماع والإملاء. الحديث
الحسن: هو ما رواه الثقة الضابط لكن ليس تام الضبط؛ لأنه لو كان تام الضبط لصار الحديث صحيحاً،
فما رواه ثقة ضابط ليس بتام الضبط متصلاً إلى منتهاه فهو حديث حسن. والحديث الحسن قد يكون
حسناً لذاته، وقد يكون حسناً لغيره؛ وهو الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور، لكنه ليس مغفلاً
كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهماً بالكذب، فإذا جاء من وجه آخر تقوى به وصار حسناً لغيره.
فالحسن لغيره هو حديث ضعيف جاء مع حديث ضعيف آخر تقوى به، فصار حديثاً حسناً لغيره، فهو
أصلاً ضعيف قد ارتقى .......
كيفيات السماع
أما مسألة السماع التي أشار إليها الناظم رحمه الله، فإن سماع التلميذ من الشيخ على مراتب:
فأعلاها سمعت وحدثني، ثم أخبرني وقرأت عليه؛ لأن السماع من الشيخ أعلى من القراءة على
الشيخ، ثم قُرئ عليه وأنا أسمع، ثم أنبأني، ثم ناولني، ثم شافهني بالإجازة، ثم كتب إليَّ، ثم
عن فلان أو أن فلاناً ونحو ذلك. والحديث: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً بأن يتلفظ
به كقوله: (إنما الأعمال بالنيات) وفعلاً كلبسه المغفر والدرع وحفر الخندق، وتقريراً كصلاة خبيب
عندما أراد المشركون قتله، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم خبيباً على ذلك. وإذا قال الراوي: كنا
نفعل كذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو قلنا كذا بحضرته صلى الله عليه وسلم فأقرهم؛
فهذا أيضاً يكون من الحديث لكن بالتقرير، أو كان صفةً كأوصافه صلى الله عليه وسلم كنقل الراوي:
¥