ـ[سلمان أبو زيد]ــــــــ[02 - Mar-2008, مساء 03:36]ـ

قال الشَّيخُ أبو عُمرَ عبدُ الرَّحمن الفقيه الغَامديُّ ـ وفَّقه اللَّهُ تَعالى ـ:

الحمد لله كثيرا

قمت بنسخ كلام الأستاذ الجديع وضعه هنا حتى يسهل الاطلاع عليه والنسخ منه، ومن ثم يتم مناقشة ما ذكره في كلامه، وبالله التوفيق.

بسم الله الرحمن الرحيم

فكرة الدكتور حمزة المليباري في التفريق بين المتقدمين والمتأخرين

اطلعت على كتابين للدكتور حمزة المليباري الأول بعنوان (نظرات جديدة في علوم الحديث) طبعة دار ابن حزم 2003 والثاني بعنوان (الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها) دار ابن حزم أيضا 2001.

وقد عرض الدكتور لقضية المفارقات بين المتقدمين ومنهج المتأخرين ممن يعتني بنقد الحديث والحكم عليه، ,أحسب أن جملة ما اعتنى بإبرازه في هذا المسلك صحيح، لكن التقصير لدى من نعتهم بالمتأخرين يكمن في القصور في تطبيق القوانين الحديثية،وليس في ابتداع منهج حديثي جديد، فهذا مما أخالف الدكتور فيه، فلم يكن في التحقيق لمتأخري العلماء –سواء من انتمى منهم للحديث أو الأصول ممن تعرض لقوانين الحديث_ أن أضافوا شيئا هو خارج في أصول الحديث عن منهج المتقدمين، بل بذلوا الجهد في تقريب ذلك المنهج المتقدم وتحرير الأصح فيه والأرجح.

وأنا أنتصر إلى ما عنى به الدكتور من إبراز عناية المتقدمين بنقد المتن كاعتنائهم بنقد الإسناد، واعتبار رعاية فقه الحديث أساسا في نقد السنن المروية.

لكني آخذ على فكره ذلك مجموعة مآخذ، أذكر أهمها إضافة لما تقدم:

1 - المبالغة في العمل على إبراز هذا التفريق، وكأنه يوحي إلى أن المتأخرين لم يكن لهم نصيب من جهة العلل الخفية التي تقع في الإسناد والمتن، والتي هي أهم سمات نقد المتقدمين. وهذا الفهم غير مسلم، بل إني لاأعرف علما من أعلام المحدثين المتأخرين المبرزين فيه إلا وله نصيب في رعاية منهج السلف في نقد الحديث، كالمزي وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن حجر العسقلاني وهو من أكثرهم اعتناء، بل حتى بعض المعاصرين كالألباني، لايغفلون النقد الخفي للحديث في أحيان كثيرة.

فهذه المبالغة التي تظهر من صنيع الدكتور تعطي تصويرا موهوما لوجود فصل حقيقي بين المتقدمين والمتأخرين.

2 - ركز الدكتور في كتاب الموازنة على معنى التبعية للمتقدمين في أحكامهم النقدية فيما يتصل بالنصوص المروية أو بالرواة، بل ينقل نصوص بعض المتأخرين في الانتهاء إلى أقوال المتقدمين وأحكامهم دون مراجعة، ودون تفسير، وهذا لايصلح في علم قام تأسيسا على النظر والبحث.

فالجرح والتعديل وعلل الحديث وقوانينه وأصوله كلها راجعة إلى معاني مدركة ظاهرة، والخفي يحاكم بالجلي، والاستدلال مطلوب مطلقا في باب النظر.

نعم أصاب الدكتور في الإبانة عن عظمة تلك الأجيال المتقدمة وما أوتيت من الحفظ والمعرفة، لكن هذا لايحقر قدر اللاحقين في أن يكون لهم في ذلك نصيبهم من النظر، فيصيرون باجتهادهم إلى مالم يصر إليه السابق ولكن بحجة.

3 - جعل-برأيه- علامة الفصل بين المتقدمين والمتأخرين الحافظ أبا بكر البيهقي المتوفى سنة (458) وهذا غريب أن يجعل البيهقي فاصلا، نعم هو قد فصل بما سماه مرحلة ما قبل الرواية وما بعد الرواية، لكن حتى على هذا فالبيهقي لايصلح فاصلا، فالرواية امتدت بعده، فأين من هذا الخطيب البغدادي، وابن عبدالبر، وابن عساكر وأبو طاهر السلفي، والضياء المقدسي؟ وهؤلاء وغيرهم خلق من أهل الإسناد والرواية جاؤوا بعد البيهقي.

فإن قيل: عمدة ما يخرجونه أسانيدهم إلى الكتب التي سبقتهم إلى جمع الحديث، كالمسانيد والمصنفات والأجزاء.

أقول: هذا صحيح في الجملةة، لكن يجامعهم فيه البيهقي، بل يجامعهم فيه طائفة كبيرة ممن تقدمه في أكثر من رووا وحدثوا كابن عدي والدارقطني والحاكم النيسابوري، فإن كتبهم شاهدة بتميز مواردهم الحديثية، وأنها ترجع في الأغلب إلى مصنفات مشهورة أو مجاميع معروفة.

ثم هذا ابن عدي في كامله يكثر من ذكر عبارة المتقدمين في كتابه، كأن يقول في الراوي لم أر للمتقدمين فيه كلاما، وربما عد المتأخرين طبقة شيوخه.

لذا، فهذا أمر نسبي لايصلح أن يكون مقياسا.

ومنه فصل الذهبي بين المتقدمين والمتأخرين برأس الثلاث مئة، وهو يتوافق مع مع ما جرى عليه ابن عدي فإن ابن عدي توفي سنة (365) وهو يعد شيوخه متأخرين، فناسب أن يكون الفصل رأس الثلاث مئة، خصوصا إذا تأملت اعتماد الرواية على التتبع من الشيوخ أو الاعتماد عليه من الكتب المجموعة، وإن بقيت بعض بقية للحمل عن آحاد الشيوخ، كنصيب ابن حبان وطبقته، وبعض من جاء بعيد زمانه، بل بقي من هذا نصيب إلى زمان متأخر بعد البيهقي.

هذه بعض المآخذ بدت لي وأنا أطلع على ما كتب الدكتور في هذا، وقد وجدت المعاصرين فيه بين أخذ ورد، ولا أحسب أن التركيز على الاعتناء بإبراز المعنى الذي أعمل الدكتور فيه رأيه يكون مفيدا لمن يشتغل بهذا العلم، ولو أنه زكز فقط على إبراز الخلل في الجانب التطبيقي عن المتأخرين لكان أجود وأبعد عن المعارك الكلامية. والله أعلم.

وكتب

أبو محمد عبدالله بن يوسف الجديع

ليدز-بريطانيا

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015