قال الخلال في العلل (141): قال مُهنّا، سألتُ أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) عن حديث معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رُهم، عن العرباض بن سارية، قال: دعانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الغَداء المبارك، وسمعتُه يقول: "اللهم علّمه -يعني معاوية- الكتاب والحساب، وقِهِ العذاب". فقال (أحمد بن حنبل): «نعم، حدّثناه عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح». قلتُ: «إن الكوفيين لا يذكرون هذا: "علّمه الكتاب والحساب وقِهِ العذاب"، قَطَعوا منه؟». قال أحمد: «كان عبد الرحمن لا يذكُره. ولم يذكُرْه إلا فيما بيني وبينَه». أقول: وهذا نص عزيز، فيه بيان موقف العراقيين من التحديث بمثل هذا، ومحاولتهم كتمان الحديث لمجرد أن فيه بيان فضل لمعاوية رضي الله عنه.

الشاهد الثاني: أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2|915) و الطبراني في معجمه الكبير (19|439) و غيرهم عن جماعة عن أبي هلال حدثنا جبلة بن عطية عن مسلمة بن مخلد –أو عن رجل عن مسلمة بن مخلد– أنه رأى معاوية يأكل فقال لعمرو بن العاص: إن ابن عمك هذا المخضد. ما إني أقول ذا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم علمه الكتاب ومكن له في البلاد وقه العذاب».

أبو هلال الراسبي اسمه محمد بن سليم البصري: صدوق فيه لين. التهذيب (9|173). وهو حديث مرسل لأن جبلة بن عطية لم يلق مسلمة بن مخلد، بل بينهما رجل مجهول نسي اسمه أبو هلال. قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (3|125) عن هذا الحديث: «فيه رجل مجهول. وجاء نحوه من مراسيل الزهري ومراسيل عُروة بن رُوَيْم وحريز بن عثمان».

ورواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2|913) بسند صحيح عن شُريح بن عُبيد مرسلاً. قال الألباني: «وهذا إسناد شامي مرسل صحيح، رجاله ثقات». ورواه الحسن بن عرفة في جزئه (66) ومن طريقه ابن عساكر (59|79) بسند صحيح عن حَرِيز بن عثمان الرَّحَبي مرسلاً. قال الألباني: «وهذا أيضا إسناد شامي مرسل صحيح». ورواه ابن عساكر (59|85) بسند صحيح عن يُونُس بن مَيْسَرة بن حَلْبَس مرسلاً.

قلت: وقد علمنا من شرط الإمام الشافعي في قبول المرسل (كما نص في الرسالة ص461) أنه لو جاء من وجه آخر دون أن يأتي ما يعارضه، فهو صحيح. فكيف وقد جاءنا هنا مُسنداً عن صحابيَّين؟

الشاهد الثالث: أخرج الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2|914): حدثنا أبو المغيرة ثنا صفوان قال حدثني شريح بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لمعاوية بن أبي سفيان: «اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب».

هذا حديث مرسل قوي: شريح بن عبيد تابعي متفق على توثيقه، سمع من معاوية كما نص البخاري. التهذيب (4|288). صفوان بن عمرو بن هرم متفق على توثيقه. التهذيب (4|376). أبو المغيرة هو عبد القدوس بن الحجاج ثقة كذلك (6|329).

لا أشبع الله بطنه

وروى مسلم من حديث ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فتواريت خلف باب. فجاء فحطأني حطأة وقال: «اذهب وادع لي معاوية». قال: فجئت فقلت هو يأكل. قال: ثم قال ل: «اذهب فادع لي معاوية». قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: «لا اشبع الله بطنه». وفي الحديث تأكيد لصحبة معاوية رضي الله عنه و بأنه من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. و ليس في الحديث ما يثبت أن ابن العباس رضي الله عنه –وقد كان طفلاً آنذاك– قد أخبر معاوية رضي الله عنه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريده، بل يُفهم من ظاهر الحديث أنه شاهده يأكل فعاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره. فأين الذم هنا كما يزعم المتشدِّقون؟! و في الحديث إشارة إلى البركة التي سينالها معاوية من إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. إذ فيها تكثير الأموال والخيرات له رضي الله عنه. فلا أشبع الله بطنك، تتضمن أن الله سيرزقك رزقاً طيباً مباركاً يزيد عمّا يشبع البطن مهما أكلت منه. و قد كانت تأتيه –رضي الله عنه– في خلافته صنوف الطيبات التي أغدقت على الأمة كما ذكر إبن عساكر في تاريخ دمشق.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015