لكنّ هذين القولين فيهما خروج عن الظاهر و لم يذكرهما الإمام الطبري في تفسيره وليعلم أن هذا القول الأخير وهو أن المراد أنزل في فرض صومه لا يتأتى القول به في آية سورة الدخان ولا سورة القدر فهو صالح فقط في آية سورة البقرة وحدها هذا مع كونه مرجوحاً، و أما القول الآخر وهو أن المراد أنزل في فضله القرآن فقد ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز: أنّ جماعة من المتأوّلين قالوا: (إن المعنى إنا أنزلنا هذه السورة في شأن ليلة القدر وفي فضلها) اهـ.

وقال أبو جعفر بن النحاس: (في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال: أ - فمن أصحها ما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم نزل به جبرائيل في عشرين سنة. وهذا إسناد لا يدفع.

ب - وقيل المعنى إنا أنزلناه قرآنا في تفضيل ليلة القدر وهو قوله تعالى (ليلة القدر خير من ألف شهر) فهذان قولان.

ج - وقيل المعنى إنّا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر كما تقول أنا أخرج إلى مكة غدا أي أنا ابتدأ الخروج) اهـ. معاني القرآن: 6/ 395

ومن الواضح لمن تدبّر أننا لو رجحنا أن المراد بالآيات بيان ابتداء نزول القرآن لأنه نزل أول ما نزل في هذا الشهر الكريم في ليلة القدر منه فلا يمكن إنكار القول الآخر ولا دفعه لأن له حظاً من اللفظ و لجلالة و شهرة القائلين به، ثم لا يلزم من القول بأن المراد بالآيات بيان ابتداء نزول القرآن القدحَ في خبر ابن عباس وغيره لأنه خبرٌ مستقل بنفسه يخبر عن نزول القرآن إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم نزوله مفرقاً.

و المقصود أنّ أصحّ التفاسير للآيات وأشهرها هما القولان المتقدِّم ذكرُهما وأرجحهما رواية و نظراً القول المروي عن ابن عباس وأئمة التفسير من تلاميذه و غيرهم و لذا قال الحافظ أبو شامة: (إن تفسير الآية بذلك – يعني بالقول بأن المراد ابتداء نزول القرآن – بعيد مع ما قد صح من الآثار عن ابن عباس: أنه نزل جملة إلى السماء الدنيا) اهـ. صـ 20.

وبعض المفسرين يستدلُّ على ترجيح القول الأول بأنه لا يحتاج إلى تقدير محذوف. فيقول إننا إذا قلنا إن معنى قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ابتدأنا إنزاله. فلابدّ من تقدير محذوف وهو ابتدأنا، قال: وهو يقتضي حمل القرآن على أن المراد به بعض أجزائه وأقسامه فقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} أي أنزلنا بعضه. (التفسير الكبير للرازي (5/ 85).

تنبيه:

للقائلين بأن القرآن نزل جملة إلى السماء الدنيا قولان:

فالقول أنه نزل إلى السماء الدنيا في ثلاث وعشرين ليلة قدر ينزل في كل ليلة ما يقدّر الله إنزاله في كل السنة قاله مقاتل و تقدم ردّه وأصح منه القول الأول بأنه نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا كما هو مروي عن ابن عباس و غيره و هو الصحيح المعتمد كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 9/ 4. قال الزركشي: (والقول الأول أشهر وأصح وإليه ذهب الأكثرون) اهـ. البرهان: 1/ 228

تنبيه آخر:

والليلة المباركة هي ليلة القدر بلا تردّد وهو قول جمهور العلماء، وأما القول بأن المراد بالليلة المباركة في سورة الدخان ليلة النصف من شعبان فهو قول ضعيف لقوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدر) مع قوله (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) و ممن أبطله ودفعه الإمام أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن عند سورة الدخان: 4/ 1690و الإمام أبو شامة في المرشد الوجيز: صـ 9 والإمام الشوكاني في تفسيره وغيرهم.

فصل

و كل محذورٍ يُدّعَى على هذا القول المشهور عند السلف و العلماء فليس بصحيح لأن أهل السنة والاتباع يؤمنون أنّ جبريل عليه السلام تلقّاه من الله تعالى وحياً سمعه من رب الأرباب و نؤمن بحمد الله بذلك و نصدّق أيضاً أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك مفرقًا بحسب الحوادث وكذلك نؤمن أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: 21،22] وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 77، 87]، وقال تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015