كما أن التدليس، لم يكن معروفاً، عند أهل الحرمين، كما قال الخطيب: " أصح طرق السنن ما يرويه أهل الحرمين، مكة والمدينة، فإن التدليس عنهم قليل، والكذب ووضع الحديث فيهم عزيز " ([172]).

وقال الحاكم: " إن أهل الحجاز، والحرمين، ومصر، والعوالي، ليس التدليس من مذهبهم " ([173]).

ثانياً: لقد أورد ابن حجر، عدة نصوص، تدل على قلة تدليس ابن جريج، ومن ذلك ما يلي:

- روى الإمام البخاري في صحيحه ([174])، عن أبي عاصم قال: أخبرنا ابن جريج،

قال: أخبرني صالح بن كيسان ([175])، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: " أهلّ النبي e حين استوت به راحلته قائمة ".

قال ابن حجر: " وقد سمع ابن جريج من نافع كثيراً، وروى هذا عنه بواسطة، وهو دال على قلة تدليسه، والله أعلم " ([176]).

- وقال ابن حجر في رواية لابن جريج عن موسى بن عقبة، عن نافع:

" فيه إدخال الواسطة بين ابن جريج ونافع، وابن جريج قد سمع الكثير، ففيه دلالة على قلة تدليس ابن جريج، وروايته عن موسى من نوع رواية الأقران " ([177]).

- وقال في موضع آخر:

" وفي الحديث ما يدل على قلة تدليس ابن جريج فإنه كثير الرواية عن نافع، ومع ذلك أفصح بأن بينهما في هذا الحديث واسطة " ([178]).

- كما روى الإمام البخاري في صحيحه ([179])، عن ابن جريج قال: أخبرني عبيدالله بن حفص ([180])، أن عمر بن نافع ([181]) أخبره، عن نافع مولى عبدالله، أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول ... الحديث ".

قال ابن حجر: " أقران متقاربون في السن واللقاء والوفاة، واشترك الثلاثة في الرواية عن نافع، فقد نزل ابن جريج في هذا الإسناد درجتين، وفيه دلالة على قلة تدليسه " ([182]).

ومن العجيب أن ابن حجر يصفه هنا بقلة التدليس، ثم يضعه في المرتبة الثالثة ممن أكثروا من التدليس.

ومن المعروف أن فتح الباري من الكتب التي حررها ابن حجر في آخر حياته.

ثالثاً: هناك بعض المواضع التي وجدتها، وتدل على قلة تدليس ابن جريج، ومن ذلك ما يلي:

1 - ما رواه الإمام مسلم ([183])، عن طريق ابن جريج، قال: أخبرني زياد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة " أن النبي e كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات ".

وابن جريج يروي عن ابن شهاب، وقد لقيه وسمع منه –كما سيأتي تحقيق ذلك– ونجد ابن جريج هنا يروي عنه بواسطة، مما يدل على قلة تدليسه.

2 - ما رواه الإمام النسائي ([184])، من طريق ابن جريج قال: " أخبرني عمرو بن دينار، قال أخبرني عطاء، ثم ساق الحديث.

وابن جريج مكثر عن عطاء، وقد استوعب حديثه كله، ولكنه هنا يروي عنه بواسطة، وهذا يدل على قلة تدليسه؛ إذ لو كان مكثراً من التدليس لرواه عن عطاء مباشرة.

3 - ما رواه الطبري ([185])، من طريق ابن جريج قال: سمعت رجلاً يحدث، عن عطاء بن أبي رباح، عن علي بن أبي طالب ... الخ.

وابن جريج مكثر عن عطاء، وهنا صرح بوجود الواسطة بينه وبين ابن جريج، مما يدل على قلة تدليسه.

خلاصة القول:

من خلال ما سبق يتضح لي عدة أمور:

أولاً: أن روايات ابن جريج، لا يحكم فيها بحكم كلي من القبول أو الرد، وليست هناك قاعدة مطّردة، وإنما يرجع في ذلك إلى القرائن، فكل حديث له حكم خاص

به، وكل شيخ له حكم خاص، وقد تبين لي من دراسة شيوخ ابن جريج، أن بعض شيوخه تحمل روايته عنهم، على السماع حتى وإن لم يصرح بالسماع، كعطاء، وعمرو بن دينار؛ لملازمته لهما، وكنافع، وابن أبي مليكة، كما سيأتي بيانه.

والحكم على رواية ابن جريج، يكون بالقرينة وهو ثبوت تدليسه، لا بالصيغة؛ لأن الصيغ يتصرف فيها الرواة كما سبق بيانه.

فإذا ثبت لقاء ابن جريج بشيخه، وروى عنه بصيغة محتملة للسماع، فإنها تحمل على السماع.

قال ابن حجر: " ومن يوصف بالتدليس من الثقات، إذا روى عمن لقيه، بصيغة محتملة حملت على السماع، وإذا روى عمن عاصره بالصيغة المحتملة، لم يحمل على السماع في الصحيح المختار " ([186]).

ثانياً: الأصل في روايات ابن جريج الثقة الحافظ السماعَ، إلا ما قام الدليل على أن هذا الحديث مدلَّس، ويعرف ذلك بأمور:

1 - ما صرح فيه الأئمة، بأن ابن جريج لم يسمع من فلان أصلاً، كقولهم: لم يسمع من عمرو بن شعيب، لم يسمع من صفوان بن سليم، لم يسمع من عمران بن أبي أنس، لم يسمع من المطلب، وهكذا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015