" وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه، ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر، فيصرِّح عن الأول بالسماع، ويعطف الثاني عليه " ([23]).
3 - تدليس القطع:
وهو " أن يحذف الصيغة ويقتصر على قوله: فلان عن فلان " ([24]).
4 - تدليس السكوت:
" وهو أن يذكر صيغة التحمل، ثم يسكت قليلاً، ثم يقول: فلان " ([25]).
5 - تدليس الصيغ:
وهو أن يذكر الراوي، صيغة التحمل من شيخه، على غير ما اصطلح عليه أهل
الحديث، كأن يصرح بالإخبار في الإجازة، أو بالتحديث في الوجادة، أوفيما لم يسمعه ([26]).
ثانياً: تدليس الشيوخ:
" وهو أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفة بما لا يعرف به كي لا يُعرف " ([27]).
ويلحق بهذا النوع تدليس البلدان وهي:
أن يذكر الراوي لفظاً مشتركاً، يطلق في المشهور، على غير الموضع الذي أراده ([28]).
وصورته: أن يقول الراوي المصري: حدثني فلان بالأندلس، أراد موضعاً بالقرافة، أو قال بزقاق حلب، وأراد موضعاً بالقاهرة.
أو يقول البغدادي: حدثني فلان بما وراء النهر وأراد نهر دجلة.
وفيه إيهام الرحلة في طلب الحديث ([29]).
المبحث الثاني: حكم التدليس ودرجة المدلس
حكم التدليس:
لقد ذم علماء الحديث التدليس، وكرهوه لما فيه من الإيهام، وكان شعبة من أشدهم ذماً له، وتختلف درجة كراهته باختلاف الغرض الحامل على التدليس.
وذكروا عدة أقوال، في قبول رواية المدلس، حسب نوع تدليسه، ولعل من أصحها التفصيل كما قال ابن الصلاح، أن مارواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال، فحكمه حكم المرسل.
وما رواه بلفظ مبين للاتصال كسمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وشبههما، فمقبول محتج به ([30]).
وقال ابن حجر: " وحكم من ثبت عنه التدليس، إذا كان عدلاً، أن لا يقبل منه، إلا ما صرح فيه بالتحديث على الأصح " ([31]).
ومما ينبغي التنبيه إليه، معرفة الصيغة التي يروي بها المدلس الحديث، حتى يحكم عليها، ولا نحكم بمجرد العنعنة في السند؛ لأن العنعنة من تصرف الرواة، لا من تصرف المحدث، قال الشيخ المعلمي اليماني عند حديثه عن المعنعن: " اشتهر في هذا الباب العنعنة مع أن كلمة " عن " ليست من لفظ الراوي الذي يُذكر اسمه قبلها، بل هي من لفظ من دونه " ([32]).
ولعل معرفة هذا الأمر مما يصعب، فلا نستطيع أن نحكم على الراوي بالتدليس في هذا الحديث من خلال الصيغة، بل نعرف ذلك بتصريح العلماء بسماعه من فلان أو عدم سماعه، وبتدليسه في هذا الحديث خاصة، أو أحاديث فلان، بناء على معرفتهم التامة
برواياته وصيغها، وخصوصاً عند المتقدمين من علماء الحديث.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله عند كلامه على تدليس (الوليد بن مسلم): " وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث فإن أولئك الأئمة كالبخاري، وأبي حاتم، وأبي داود، عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتقنة " ([33]).
وهذا الحكم بالنسبة لتدليس الإسناد، حيث لا يقبل إلا ما صرح فيه الراوي بالسماع.
أما بالنسبة لتدليس الشيوخ، فيتوقف الحكم عليه بالكراهة، على حسب الغرض الحامل عليه، ويختلف باختلاف المقاصد.
قال السيوطي: " وتختلف الحال في كراهته بحسب غرضه، فإن كان لكون المغيّر اسمه ضعيفاً، فيدلسه حتى لا يظهر روايته عن الضعفاء، فهو شر قسم " ([34]).
وفي هذا النوع، ينبغي تحديد اسم الراوي، والتأكد من ذلك، حتى يحكم على السند بحسب ضعفه أو ثقته.
درجة حديث المدلس:
حديث المدلس قابل للاعتضاد، ويصل إلى درجة الحسن لغيره.
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: " ومتى توبع السيء الحفظ بمعتبر كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه، وكذا المختلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، كذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه، صار حديثهم حسناً لا لذاته بل بالمجموع " ([35]).
وإلى هذا ذهب السيوطي أيضاً حيث قال: " وكذا إذا كان ضعفها لإرسال،
أو تدليس، أو جهالة حال، زال بمجيئه من وجه آخر، وكان دون الحسن لذاته " ([36]).
ويشترط في تقوية حديث المدلس، أن لا يعرف المحذوف، فإذا عرف المحذوف، فإنه يحكم له بالحكم المناسب حسب قواعد المحدثين.
حكم رواية المدلس بالعنعنة في الصحيحين:
¥