أن التخريج لابد وأن يناسب طبيعة سوق المؤلف صاحب الكتاب المعلق عليه لهذه الأحاديث، فما ساقه مساق الاحتجاج يختلف عما ساقه مساق الاستشهاد والاعتضاد، وما ساقه محتجًا به في العقائد والأحكام يختلف عما ساقه في فضائل الأعمال، فقد جرت عادة العلماء بالتساهل في هذا الأخير، ما لم يكن موضوعًا أو منكرًا أو ساقطًا.
وعلى ضوء هذا:
فإن وجدت صاحب الكتاب قد فرغ من إثبات الحكم بأدلته الشرعية من القرآن
أو السنة الصحيحة أو الإجماع، ثم رأيته توسع في سوق أحاديث تعضد ما ذهب إليه وأثبته، وكانت هذه الأحاديث فيها من الضعف ما فيها؛ فإننى عادة لا أتوسع في تخريجها أو في
ذكر عللها؛ لأن المؤلف لا يعتمد عليها، وإنما هو فقط يستشهد بها، ومعلوم أن باب
الاستشهاد يتسامح فيه ما لا يتسامح في الأصول، وقد أشير إلى ما في إسنادها من ضعف
إشارة سريعة، بقولى مثلا: "إسناده ضعيف"، أو بأن أذكر بعض أقوال أهل العلم التى تفيد هذا.
وهذه عادة أهل العلم؛ فإنهم إذا ما ساقوا الحديث مساق الاستشهاد، فغالبًا ما يسكتون عن علته، بناء على أن معناه مؤيد بأدلة أخرى، وقد يكونون إنما ساقوا مثل هذه الروايات من باب حشد الأدلة لا غير.
وهذا يظهر في تعليقى على كتاب "فتح البارى" لابن رجب، وأيضًا "سبل السلام" للصنعاني.
على أن في هذين الكتابين أمرين آخرين أحب أن أبرزهما:
الأول: وهو أن هذين الإمامين كثيرًا ما يحكمان على الأحاديث، سواء بحكمهما الخاص، أو بالنقل عن غيرهما من أهل العلم، فحينئذ لا أجدني في حاجة إلى ذكر أقوال أهل العلم، اللهم إلا إشارة، كأن أشير إلى كتاب من كتب التخريج أو العلل توسع في دراسة طرق هذا الحديث، وإلا اكتفيت بعزو الحديث إلى مخرجيه.
فلا تجدنى ــ إن شاء الله تعالى ــ أذكر في التعليق شيئًا قد سبقني صاحب الكتاب
إلى ذكره أو أنقل شيئًا عن أهل العلم قد سبقني هو إلى نقله، اللهم إلا أن يقع ذلك سهوًا أو نسيانًا، أو يكون صاحب الكتاب قد اختصره، وأتيت أنا به تمامًا، حيث كان في تمامه فائدة.
الثاني: أنني سلكت في هذين الكتابين مسلك خدمة الكتاب لا خدمة العلم، بمعنى أنني جعلت عملي فيهما منحصرًا في ضبط الكتابين وتصحيحهما، مع عزو أحاديثهما إلى مخرجيها، وكذلك ما استطعت الرجوع إلى مصدره من النصوص والأقوال التى تضمنها الكتابان؛ فهذه خدمة للكتاب نفسه، وليست خدمة للعلم عامة.
لقد أردت أن يكون عملي في مثل هذه الكتب للمسلمين كلهم، وليس لطائفة دون طائفة، ولا لفئة دون فئة، فأنكرت ذاتي، فلم أجعل نفسى حائلاً بين القارئ والكتاب، ولم أفرض رأيي، بل جعلت الكتاب بين يدي القارئ مصححًا مضبوطًا مخدومًا بتوثيق مادته والاكتفاء بالتنبيه على ما لابد من التنبيه عليه.
وهذا هو المسلك نفسه الذي سلكته في تحقيق كتاب الطبرانى "المعجم الأوسط"، وهو نفسه الذي أسلكه في عامة الكتب الكبيرة والتى لا يناسبها كثرة الحواشي، والتوسع
فى التعليق.
وهو نفسه المسلك الذي سلكته في تحقيق "نيل الأوطار" وإن كنت قد توسعت في بعض المواضع حيث دعت الضرورة إلى ذلك، على نحو ما سبق بيانه.
الثالثة:
وهى تتعلق بأعمالي التى يكون دورى فيها التجميع والترتيب والتأليف، فليعلم القارئ الكريم أن هذا الدور في غاية الصعوبة وتحقيق مخطوط أيسر بكثير من مثل هذا؛ لأن هذه الأعمال أقوم فيها بمثل ما أقوم به في تصحيح المخطوط؛ لأنني قبل أن أرتب هذه المادة أصححها، وغالبًا ما يكون تصحيحي لها اجتهادًا واعتمادًا على المراجع الأخرى، وليس اعتمادًا على أصل خطي.
وهذا الترتيب لهذه المادة يتطلب جهدًا كبيرًا، شرحت بعضه في بعض مقدماتي على بعض هذه الأعمال، لكن اكتفي هنا بذكر مثال يوضح هذا:
فكتابي "الجمع والتوضيح لمرويات الإمام البخاري وأحكامه في غير الجامع الصحيح" من الكتب التى أرهقتني جدًا في الترتيب؛ فإننى قد التزمت فيه ترتيب "الجامع" للإمام الترمذي، والإمام الترمذي إنما يخرج الحديث في "جامعه" في باب يختاره هو، مهما كان الحديث صالحًا لأن يخرج في أبواب أخرى، فكان المطلوب مني ـ أو ما يقتضيه شرطي ـ، أن أتتبع هذا الحديث في "جامع الترمذي"، لأنظر في أى موضع ساقه الترمذي، وهذا فيه من المشقه ما فيه؛ لكثرة الأحاديث، فقد بلغت قرابة (4500) حديث.
ثم إن الكثير من هذه الأحاديث لم يخرجه الترمذي، فكان دوري البحث في كتاب الترمذي عن أقرب باب يصلح أن يدخل هذا الحديث فيه، وهكذا.
وهذا كله في الأحاديث التى يذكر الإمام البخاري متنها، لكن ماذا يكون ظنك
بهذا الجم الغفير من الأحاديث التى أشار إليها البخاري إشارة ولم يذكر متونها، كان لابد
من أن أبحث أولاً عن متونها في بطون الكتب، وهو أمر صعب جدًا؛ لأن معطيات البحث إسنادية لا متنية ـ كما ترى ـ ومعلوم كم تكون صعوبة البحث عن حديث معطيات البحث عنه بهذا الشح.
فهذا الجهد الجهيد، جهد غير منظور ولا مرئي، فالقارئ عندما يطالع الكتاب
لا يدري كم بذلك المؤلف من جهد حتى يضع هذا الحديث هنا، وهذا الباب هنا وهذا الباب هناك، ثم إذا ما نظر في الحاشية ووجد مادة التخريج محدودة استهان بالعمل ولم يقدره قدره!
هذا هى طريقتي التى أتبعها في أعمالي بينتها للضرورة، فإن كان في مسلكي من خطأ فجزى الله خيرًا أخًا كريمًا نصحني في الله تعالى وأرشدني إلى جادة الصواب، وإن كان في مسلكي إصابة فهو فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ليس لي فيه حول ولا قوة.
وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم.
¥