وبهذا يتبين أن ما يقع ممن دونهم من التعقيب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يثبت المتعقب أن الخبر غير منكر.
من ذلك: أنه قد يعل بعض أهل العلم حديثًا بأن فلانًا دلسه، وقد لا يكون هذا الراوي معروفًا بالتدليس، وإنما يقصد ذلك العالم أن هذا الراوي وقع منه التدليس في هذا الحديث بعينه، وإن لم يكن معروفًا به.
من ذلك: أن الترمذي ذكر في "الجامع" حديث عمر بن على المقدمي، عن هشام بن عروةـ عن أبيه عن عائشة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان، ثم قال:
"وقد روى مسلم بن خالد الزنجي هذا الحديث عن هشام بن عروة. ورواهُ جريرُ عن هشام أيضًا. وحديث جرير يقال: تدليس، دلس فيه جرير؛ لم يسمعه من هشام بن عروة".
وفسر ذلك في "العلل" فحكى عن البخاري، أنه قال: "قال محمد بن حميد: إن جريرًا روى هذا في المناظرة، ولا يدرون له فيه سماعًا".
ومن ذلك أيضًا: أن أبا حاتم الرازي أعل حديثًا بتدليس الليث بن سعد فيه، فقال:
"… ولم يذكر أيضًا الليث في هذا الحديث خبرًا، ويحتمل أن يكون سمعه من غير ثقة ودلسه".
وقال أبو حاتم أيضًا في حديث آخر:
"لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة عن ابن أبي عروبة، لو كان صحيحًا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث [الخبر]، وهذا أيضًا مما يوهنه".
فتعقبه بعض المعاصرين بأن ابن عيينة أحد جبال الحفظ، ولا يضره كون الحديث ليس في مصنفات ابن أبي عروبة، وبأنه إن لم يصرح بالسماع لا يضره؛ لأنه لا يدلس إلا عن ثقة، كما قال ابن حبان وغيره.
وهذا التعقب؛ ليس بشيء، وهو يدل على عدم فهم مراد الإمام من إعلاله.
فهب أن سفيان لم يخطئ في هذا الحديث عن ابن أبي عروبة، لكن ما دمنا قد تحققنا أن الحديث ليس في مصنفات ابن أبي عروبة، فهو إذا لم يحدث به من كتاب، وإنما حدث به حفظًا، وابن أبي عروبة كان قد اختلط كما هو معلوم، وابن عيينة لم يذكروا أنه ممن أخذ عنه قبل الاختلاط فالظاهر أنه أخذ عنه بعده، وعليه يكون ابن أبي عروبة قد حدث ابن عيينة بهذا الحديث ــ إن كان ابن عيينة حفظه ــ في حال اختلاطه، من حفظه وليس من كتابه، وهذا وحده يكفي في الطعن في الحديث.
ثم إنه ليس هناك تعارض بين قول أبي حاتم الرازى وقول ابن حبان البستي؛
فإن قول البستي إنما هو حكم عام فيما يدلسه ابن عيينة بأنه لا يكون إلا عن ثقة، بينما قول أبي حاتم إنما هو حكم خاص بهذا الحديث، ولا يعارض الحكم الخاص بالحكم العام، بل يحمل العام على الخاص.
فمن أراد أن يدفع تلك العلة الخاصة، لا يكفيه أن يأتى بالحكم العام، لأن أبا حاتم
ـ وأمثاله من النقاد ـ لا تخفى عليه القاعدة العامة، بل لابد حينئذ من الإتيان بدليل خاص تدفع به تلك العلة الخاصة، وذلك بأن يأتي بتصريح بالسماع أو ما يدل عليه في موضع آخر، شريطة أن يكون ذلك محفوظًا عن ابن عيينة، وليس شاذًا.
والقول في ذلك كالقول في أخطاء الثقات، فإن الثقة إذا وهمه إمام حافظ ناقد في حديث معين، وأعل الحديث بتفرده به، لا يصلح لمن دونه أن يدفع ذلك الإعلال بمجرد أن هذا الراوي ثقة، وأن تفرده مقبول في الأصل.
فإن ثقة هذا الراوي لا تخفى على مثل هذا الإمام، بل قد يكون هو نفسه يوثقه،
ولكنه حيث وثقه إنما حكم عليه حكمًا عامًا، وحيث خطأه في ذلك الحديث المعين فإنما هذا حكم خاص يتعلق بهذا الحديث المعين، فلا يدفع الحكم الخاص بالحكم العام، بل يحمل العام على الخاص فيقال هو ثقة إلا أنه أخطأ في هذا الحديث.
ومن أراد أن يدفع خطأه في هذا الحديث المعين يلزمه أن يأتي بدليل خاص يدل على ذلك كأن يأتي بمتابعة كافية للدلالة على براءته من عهدة الحديث والله أعلم.
وربما يطلقون بعض الاصطلاحات على غير معناها المتقرر والمتعارف عليه؛ كمثل مصطلح "الحسن"، فإن بعض أهل العلم يستعمله في موضع "الغريب" أو "المنكر"، على عكس معناه المتقرر، والذي يقتضي ثبوت الحديث.
وقد قال إبراهيم بن يزيد النخعي "كانوا يكرهون إذا اجتمعوا، أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده".
¥