ولا ينبغى أن يفوتك أن قول الألبانى ((لا يُعرف بما يسقط حديثه ـ يعنى مغيرة ـ))، إذا كان دليلاً على اطمئنان النفس لقبول مغيرة بن حبيب وتصحيح روايته، فلقائل أن يقول عنه كما قال الألبانى عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث ((فقد يقال: فهل علمت فيه توثيقاً؟، فإن عدم الجرح لا يستلزم التوثيق كما لا يخفى، فالأحسن فى الإفصاح عن حاله القول بأنه: لا يعرف حاله))!!.
وهذا القول إنما هو من باب إلزام الشيخ بلازم قوله لئلا تتضارب أحكامه على الأشباه والنظائر، وإلا فقبول رواية كلٍّ من المغيرة وإبراهيم واعتماد توثيقهما هو الراجح عند النظر الصحيح، فليس بينهما تباين بحالٍ تؤثر فى الحكم عليهما، وإن كان بينهما اختلاف يُذكر، فالمغيرة قد تناوله بلديه أبو الفتح الأزدى بالجرح، وأما إبراهيم بن عبد الله بن الحارث الجمحى فلم يصب بأدنى جرحةٍ.
فلم اطمانت نفس الشيخ لتصحيح حديث المغيرة ووثقه، ولم يرضى بإبراهيم الجمحى ولم يصحح حديثه!!. ولماذا وصف الأئمة المتلقين لحديث كليهما بالقبول والرضى: كالترمذى، وابن حبان، وابن حجر، وأحمد شاكر بالاغترار وقلة التحقيق؟؟))
لي مع كلامه وقفات
وقبلها نحب أن ننبه على أنه ينبغي على طالب العلم أن يتحلى بشيء من الأدب عند محاورة الأكابر لفرق السن والعلم والسبق في الدعوة إلى الله
وينبغي أن يعتذر للأكابر ما استطاع إلى ذلك سبيلاً
الوقفة الأولى مذهب الشيخ الألباني في الرواة الذين انفرد ابن حبان بتوثيقهم أنهم تقبل روايتهم بشرطين
الأول أن يروي عنه جمع من الثقات
الثاني ألا يوجد في حديثه ما ينكر
صرح بذلك الشيخ في تمام المنة، لم يصرح الشيخ بعدد الثقات الذين يجب أن يرووا عن الراوي حتى يحكم له بالقبول
وقد أحسن بذلك فأحياناً يروي عن الراوي ثلاثة فقط ولكنهم بثلاثين ثقة فيكون ذلك متعلقاً بأوصاف الرواة مع عددهم وهناك قرائن أخرى
إذا عرفت أمكنك الإعتذار للشيخ الألباني والجواب عن اعتراض الشيخ الألفي
فيقال إن إبراهيم بن عبدالله بن الحارث لم ينطبق عليه الشرط الثاني فقد ذكر الذهبي الحديث السابق في ترجمته في ميزان الإعتدال
ومن المعلوم أن الميزان خاص بالمجروحين والأحاديث المذكورة فيه خاصة بما يستنكره النقاد على الراوي
بخلاف المغيرة بن حبيب الأزدي فلم يذكر له أحدٌ حديثاً مستنكراً وإنما قال ابن حبان ((يغرب)) ولم يورد حديثاً يدلل به على دعواه والغرابة عند ابن حبان على تقتضي الخطأ لذا يعطفهما على بعض فيقول ((فلان يخطيء ويغرب))
وأما قول الأزدي فليس بشيء لأنه هو نفسه مجروح
وقد يجاب بجوابٍ آخر فيقال أن الرواة عن المغيرة بن حبيب جلهم من الثقات الأثبات_ وهم حماد بن زيد وهشام الدستوائي وبشر بن المفضل _ لذا اطمأن الشيخ لتقوية حديثه بروايتهم _ مع غيرهم _ عنه
بخلاف إبراهيم بن عبدالله بن الحارث فلم يروي عنه إلا ثبتٌ واحد
وقد ذكر ابن حبان في ترجمة المغيرة بن حبيب ما يدل على أنه يعرفه فقال فيه ((ختن مالك بن دينار))
وقد ذكر المعلمي هذه القرينة في القرائن التي تقوي توثيق ابن حبان للراوي وأقره الألباني في مقدمة صحيح موارد الظمآن
فإن قيل وإبراهيم بن عبدالله بن الحارث قال فيه ابن حبان ((مسقيم الحديث)) وهذه القرينة أقوى عند المعلمي
قلنا حقق الشيخ بشار عواد معروف في تحقيقه لتهذيب الكمال أن ابن حبان قال هذه الكلمة في شخص آخر فاختلط الأمر على مغلطاي وتابعه ابن حجر
الوقفة الثانية المغيرة بن حبيب لم ينفرد ابن حبان بتوثيقه بل عدله البخاري أبو داود أيضاً
قال البخاري في التاريخ الكبير (7/ 325) ((كان صدوقاً عدلاً))
وقال أبو داود في سؤالات الآجري (1366) ((لا بأس به))
الوقفة الثالثة لم يقل الألباني أن قول ابن القطان في إبراهيم ((لا يعرف حاله)) فيه الإفصاح عن حال إبراهيم بل انطلق من أصله في رد رواية مجهول الحال وعليه فالألباني له سلف ولم ينفرد
الوقفة الرابعة تساهل أحمد شاكر معروف والألفي نفسه خالفه فحسن السند فقط بيد أن أحمد شاكر يصححه
الوقفة الخامسة في قول الترمذي ((حسن غريب)) أطلقه على العديد من الأحاديث الصحيحة ولكنه أطلقه أيضاً على عدد من الأحاديث الضعيفة
قال الترمذي حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا الَلَّيثُ عن خَالِدِ بنِ بَزِيدَ عن سَعيدِ ابنِ أَبي هِلاَلٍ عن إِسْحَقَ بنِ عُمَرَ عن عَائشَةَ قَالتْ:
"مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةً لِوَقْتِها الآخِر مَرَّتَينِ حَتَّى قَبَضَهُ الله".
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَديثٌ حَسَنٌ، غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ
قلت فوصفه بالحسن والغرابة على الرغم من انقطاعه
قال الذهبي في الميزان ((ومما ينكر لمحمد بن سابق حديثه عن إسرائيل، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله - مرفوعا: ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفحاش ولا البذئ. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قال ابن المدينى: هذا منكر))
وقال في ترجمة سفيان بن وكيع ((وقد حسن له الترمذي هذا، فقال: حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبى عدى، عن حماد بن سلمة، عن أبى جعفر الخطمى، ثقة، عن محمد بن كعب القرظى، عن عبدالله ابن يزيد الخطمى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: اللهم ارزقني حبك وحب من يبلغني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله لى قوة فيما تحب، وما زويت عنى مما أحب فاجعله لى قوة فيما تحب. قال: هذا حديث حسن غريب))
قلت سفيان بن وكيع كان يلقن فيتلقن ولا يظن بإمام مثل الترمذي أنه يقبل حديثه
وكنت سابقاً رديت على السقاف في جعله قول الترمذي ((حسن غريب)) تضعيفٌ مطلقاً
واليوم أناقش شيخنا الألفي في جعله هذه اللفظة من الترمذي دليلاً على القبول
وهذا وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم