ـ[محمد بن سعود]ــــــــ[27 - Sep-2010, صباحاً 08:44]ـ
القراءة إذ تصنع الفرق!
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:
يزداد الحديث عن القراءة وثقافة الكتاب لدى المجتمعات التي ترنو لنفض غبار التَّخلف عنها، وتحرص بعض الدول على إقامة معارض الكتاب وإظهار الاهتمام بها كدليل على الوعي والرُّقي والثَّقافة. ومع أنَّ أمتنا متهمة بضعف الإقبال على القراءة وتراجُع أهمية الكتاب فيها؛ إلا أنَّ ما نلاحظه في أوساط الشَّباب من الجنسين يبشِّر بخير إذا أحسنَّا توجيهه واستثماره، والأمل يحدونا بانكباب أكثر النَّاس على الكتب والاهتمام بشؤونها وأخبارها بدلاً من الانغماس فيما لا طائل وراءه؛ خاصَّةً أنَّ معجزة نبينا - صلى الله عليه وسلم - كتابٌ عزيزٌ يُتلى، وأوَّل آية منه أَمَرتْ بالقراءة، ثم تلتها آية أخرى مؤكِّدة، وجاءت بعدها آية كريمة ربطت بين العلم والقلم: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5].
وليست القراءة عملية مجرَّدة؛ يفرغ الإنسان من كتاب ليبدأ رحلة جديدة مع كتابٍ آخر، فهذه القراءة قد لا تفيد إلا لماماً على أحسن الأحوال؛ لأنَّ القراءة المفيدة هي القراءة النَّاقلة؛ بحيث تنقل القارئ من حال إلى أفضل منها، وهي القراءة التَّحويلية التي يستطيع القارئ الحاذق معها توظيف المعلومة وبعث الحياة فيها من جديد. وهي القراءة التي تصنع الفرق في التَّصور والسُّلوك، ومن البديهي أنَّ القراءة حسب هذا الوصف عملية شاقَّة تتطلب جهداً كبيراً والتزاماً ثابتاً ممَّن يريد المضي في هذا الطَّريق الطَّويل حتى يبلغ الغاية المرجوَّة، وعند الصَّباح يحمد القوم السُّرى.
ومن الضَّروري أن نسعى إلى نكون قرَّاءً من الدَّرجة الأولى، فنقرأ ما ينفعنا وحاجتنا إليه أكيدة أو محتملة، وننصرف عن المطبوع الذي لا قيمة له، وهو كثير في سوق الكتاب. ومن المهمِّ أن تكون القراءة بالطَّريقة الصَّحيحة، وأن نتفاعل مع المقروء بأفضل السُّبل من خلال مناقشة المؤلف على هامش الكتاب، وتقييد فوائده، واختصار فكرته. وإذا حصل هذا فستكون أمتنا متميزة في أفرادها، منجزة في مجموعها، متفوقة في كلِّ شؤونها، بعيدةً عمَّا يغضب الله، آنفةً من الصَّغائر والضَّعة، ولا عجب حين نقول ساعتئذٍ: إنَّ القراءة عبادة لله، وقربة يؤجر فاعلها ذو النِّية الخالصة.
ويعين على تحقيق ذلك حين تكون المادَّة المقروءة منتقاة بعناية ومراعية حال القارئ وحاجته وواجب الوقت؛ وهذه الأمور من أسس التَّخطيط لقراءة مؤثرة ماتعة، فليس من المناسب للفتى - مثلاً - أن يخوض في أمَّات الكتب ولمَّا يقرأ كتب المبتدئين على شيخ أو ذي اختصاص. ومما يعين على بلوغ ما نَصْبُو إليه من القراءة أن يكون فعل القراءة مركَّزاً عميقاً أصيلاً، وليس عملاً ثانوياً إنْ بقي له شيء من فضول الوقت مارسته، فالتَّركيز سرٌّ من أسرار النَّجاح والتَّميز، ومن التَّركيز اتباع القارئ لمنهجية خاصَّة في القراءة تكون دليلاً له في مشواره المعرفي وسبباً في زيادة الوعي واتِّساع الأفق.
وللقراءة أهداف يبتغيها كلُّ مَنْ سلك سبيلها؛ فمنها إصلاح المنطق وتقويم اللسان، وإنَّ الأمَّة لتأمل أن يكون أبناؤها قادرين على الحديث بلسان عربي مبين، يفهمون به كتاب ربِّهم، وسنَّة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ويتواصلون دون صعوبة مع إرث سلفهم الصَّالح، رضوان الله عليهم. وباستقامة لسان القارئ فإنه سيجيد فنَّ الكلام فيأمر بحقٍّ أو ينهى عن باطل ويدفع السُّوء عن نفسه ومجتمعه وأمته، فمَنْ لا يستطيع التَّحدُّث والتَّعبير عمَّا يختلج في مكنونه يفقد شيئاً كثيراً من حقوقه.
والقراءة النَّافعة تُصلِح ذوق صاحبها، فيترَّفع عن خوارم المروءة، ويتجافى عن الخطايا، وسيظهر أثر الكتاب على القارئ المتمكن بعلوِّ كعبه في أخلاقه وسيرته، فزيادة العلم مانعة من الخطأ، وقديماً قال بعض السَّلف: لا يعصي الله إلاَّ جاهل. ومعرفة أيِّ شيء جديد تُوقِف الإنسانَ على حقيقة جهله فيتواضع، وتحجزه عن الكبر والغرور.
¥