ينبغي للعالم ألاَّ يكون واسعَ الجهل بأحد الفنون؛ لأنَّ هذا قد يمثِّل فجوةً كبيرةً في الصورة، تُخِلُّ ببعض التصورات المهمة، بخلاف ما إذا كان يجهل كثيرًا من قطع الصورة المتناثرة؛ فإنه يستطيع توقُّعَها لما يَحْتَفُّ بها من قرائن.
يستطيع العالِمُ أنْ يحكم بأنَّ فلانًا لم يَلْق فلانًا؛ لأنَّ الأول في يمين الصورة، والثاني في يسارها، أما المبتدئ فيسارع بأن هذا لا دليل عليه، واللقاء ممكن، وقد اجتمعا في صورة واحدة، فلا مانع من لقائهما.
العالم يستطيع أن يستنبط الترتيب المنطقي لما في الصورة، فيقول: إن هذه القطعة قبل هذه القطعة، وهذا مقدَّم على هذا، وتلك أولى من هذه، ولكن المبتدئ يسارع فيقول: هذا لا دليل عليه.
العالم يستطيع أن ينفي وجود شيء في الصورة؛ لأنه ينظر نظرةً إجماليةً، فيعرف أن الصورة ليس فيها هرم مثلاً، وليس فيها سياراتٌ، وليس فيها أفيال، ونحوُ ذلك، أما المبتدئ فلا يمكنه ذلك إلا بالاستقراء التام لكل قطعة على حدَةٍ، وأيضًا لا يستطيع بَعدها الجزم؛ إذ لعل ما نفاه موجود مقسمًا بين قطعتين أو أكثر، أو لعله يسارع فينكر على من نفى قائلاً: هل أحطت علمًا بكل القطع؟!
العالم يستطيع أن يستنبط أنَّ هذا الرأس يستلزم جسمًا ويدين وقدمين، وأن تلك الكرةَ تستلزم تكملةً من اليمين واليسار، وأن هذه الشجرة تستلزم جذعًا وأصلاً، أما المبتدئ فهو بمعْزِل عن كل هذا.
العالم يستطيع أن يفهم المغزى الذي قَصده صاحبُ الصورة؛ لأنه ينظر إلى جملتها، فيعرف أنَّ الجزء الفلاني يُقصد به كذا، وغيره يُقصد به كذا، كما قال الخليل بن أحمد في الرجل الحكيم الذي دخل دارًا، أما غيره فيسارع بالإنكار، ويقول: ما دليلكم القطعي المنقول بالتواتر نصًّا لصاحب الصورة - أنه أراد هذه العلة؟!
وننظر من جهة أخرى، فنقول:
أما العالم المبتدع فهو يضع - ابتداءً - بعضَ القطع المتناثرة مقلوبةً، ثم بعد ذلك يجد نفسه مضطرًّا لوضع القطع الملاصقة لها مقلوبةً أيضًا؛ لتتلاءم مع البقية، فتجده يؤصِّل البدعةَ تِلْوَ البدعة، ويَحمله القولُ الفاسد على القول الفاسد، حتى يصيرَ إلى صورة مقلوبة تمامًا، أو مشوَّهة لا تمثِّل الحقيقة، ولذلك لا جَرَم يَظنُّ أنَّ الناس هم الذين يقلبون الحقيقة!
وإذا تخيلنا أنَّ كل عالم من العلماء اجتهد اجتهادَه الخاصَّ في تكوين الصورة، حتى وصل إلى رؤيته المتكاملة، فيمكننا أنْ نتخيَّل أن كلَّ هذه الصورِ اجتمعت كطبقاتٍ شفَّافةٍ فوق بعضِها، حتى نَرى مدى التَّواؤُمِ والتوافق بينها، وحينئذٍ فمِن المتوقَّع أننا سنَرى كثيرًا مِن الأماكن متطابقةً بين هذه التصوُّرات، وكذلك سنرى بعضَها مختلفًا، ويتفاوتُ الاختلاف من مكان إلى مكان، إلا أنه من المعقول أن نفترض أن الأجزاء المتَّفَقَ عليها صحيحةٌ ولا شك.
ويلوح لي أنَّ بعض قُرَّاء هذا المقال سيقولون: وما الدليل على أنَّ اتفاقَ هؤلاء صحيح؟
فإن ضحكْتَ الآن من هذا الكلام فقد فَقِهْتَ مقالي وفهمتَه على وجهه، أما إنْ قلتَ هذا القولَ، فأنصحك بإعادة قراءة المقال مرَّةً أخرى!
والله الموفِّق.
مصدر مقال الأستاذ أبي مالك على الألوكة الأم مع تعليقات ونقاشات الأعضاء والزوار:
http://www.alukah.net/Social/0/24923/
ـ[أبو ساجدة]ــــــــ[16 - Sep-2010, مساء 03:45]ـ
السلام عليكم ورحمة الله
بارك الله فيكما أخوين طيبين حبيبين وشكر لكما وجزاكما خيرا عميما
ـ[فتح البارى]ــــــــ[16 - Sep-2010, مساء 06:23]ـ
اللهم باركْ في أبي مالك العوضي وزدْه علما.
ـ[أبوالفداء المصري]ــــــــ[18 - Sep-2010, صباحاً 08:03]ـ
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم
ـ[أمجد الفلسطيني]ــــــــ[03 - Oct-2010, مساء 04:46]ـ
قال أبو العباس ابن تيمية:
" .. فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب لا في الإثبات لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه".
ـ[أبو بكر السعيد]ــــــــ[04 - Oct-2010, صباحاً 03:32]ـ
ولكن أين هذا العالم الذي وصفه ما ذكرت؟
فضيلتكم تتكلم عن أناس قد مضوا، وكل من اعتلى مكانا يُسمع فيه قوله يحتج بما قلت، وهو ليس من أهل هذا الشأن، فليتك ذكرت لنا سمات أهل العلم الذين يستحقون ما ذكرت فلهم نسمع، وأرجوا أن يكون وصفا لأناس أحياء أراهم بعيني وليس أناس أقرأ عنهم في السير.
¥