الفصل في الحق وليس العي قلة الكلام ولكن من سفه الحق (. وفي مراسيل محمد بن كعب القرظي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال) ثلاث ينقص بهن العبد في الدنيا ويزداد بهن في الآخرة ما هو أعظم من ذلك. الرحم والحياء وعي اللسان (قال عون بن عبد اللَه ثلاث من الإيمان الحياء والعفاف والعي عي اللسان لا عي القلب ولا عي العمل وهن مما يزددن في الآخرة وينقصن في الدنيا وما يزددن في الآخرة أكبر مما ينقصن من الدنيا وروي هذا مرفوعا من وجه ضعيف. وقال بعض السلف إن كان الرجل ليجلس إلى القوم فيرون أن به عيا وما به من عي إنه لفقيه مسلم: فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام وكثرة الجدال والخصام والزيادة في البيان على مقدار الحاجة لم يكن عياً ولا جهلا ولا قصوراً وإنما كان ورعا وخشية للَّه واشتغالا عما لا ينفع بما ينفع. وسواء في ذلك كلامهم في أصول الدين وفروعه. وفي تفسير القرآن والحديث. وفي الزهد والرقائق. والحكم والمواعظ. وغير ذلك مما تكلموا فيه فمن سلك سبيلهم فقد اهتدى ومن سلك غير سبيلهم ودخل في كثرة السؤال والبحث والجدال والقيل والقال. فإن اعترف لهم بالفضل. وعلى نفسه بالنقص كان حاله قريباً وقد قال إياس بن معاوية ما من أحد لا يعرف عيب نفسه إلا وهو أحمق قيل له فما عيبك قال كثرة الكلام وإن ادعى لنفسه الفضل ولمن سبقه النقص والجهل فقد ضل ضلالا مبيناً وخسر خسراناً عظيما. وفي الجملة ففي هذه الأزمان الفاسدة إما أن يرضى الإنسان لنفسه أن يكون عالماً عند اللَه ولا يرضى إلا بأن يكون عند أهل الزمان عالماً. فإن رضي بالأول فليكتف بعلم اللَه فيه. ومن كان بينه وبين اللَه معرفة اكتفى بمعرفة اللَه إياه: ومن لم يرض إلا بأن يكون عالماً عند الناس دخل في قوله صلى الله عليه وسلم) من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار (. قال وهيب بن الورد رب عالم يقول له الناس عالم وهو معدود عند اللَه من الجاهلين وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم) إن أول من تسعر به النار ثلاثة أحدهم من قرأ القرآن وتعلم العلم ليقال هو قارىء وهو عالم ويقال له قد قيل ذلك ثم أمر به فيسحب على وجهه حتى ألقي في النار (فإن لم تقنع نفسه بذلك حتى تصل إلى درجة الحكم بين الناس حيث كان أهل الزمان لا يعظمون من لم يكن كذلك ولا يلتفتون إليه فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وانتقل من درجة العلماء إلى درجة الظلمة. ولهذا قال بعض السلف لما أريد على القضاء فأباه إنما تعلمت العلم لأحشر به مع الأنبياء لا مع الملوك فإن العلماء يحشرون مع الأنبياء والقضاة يحشرون مع الملوك ولا بد للمؤمن من صبر قليل حتى يصل به إلى راحة طويلة فإن جزع ولم يصبر فهو كما قال ابن المبارك من صبر فما أقل ما يصبر ومن جزع فما أقل ما يتمتع: وكان الإمام الشافعي رحمه اللَه ينشد: يا نَفسُ ما هِيَ إِلّا صَبرُ أَيّامِ ... كَأَنَّ مُدَّتَها أَضغاثُ أَحلامِ يا نَفسُ جوزي عَنِ الدُنيا مُبادِرَةً ... وَخَلِّ عَنها فَإِنَّ العَيشَ قُدامي فنسأل اللَه تعالى علماً نافعاً ونعوذ به من علم لا ينفع. ومن قلب لا يخشع. ومن نفس لا تشبع: ومن دعاء لا يسمع: اللهم إنّا نعوذ بك من هؤلاء الأربع الحمد لله رب العالمين وصلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.) فصل (ليتدبر ما ذم اللَه به أهل الكتاب من قسوة القلوب بعد إيتائهم الكتاب ومشاهدتهم الآيات كإحياء القتيل المضروب ببعض البقرة. ثم نهينا عن التشبه بهم في ذلك. فقيل لنا (أَلَم يَأنِ لِلَّذينَ آمَنوا أَن تَخشَعَ قلوبُهُم لِذِكرِ اللَهِ وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكونوا كَالَّذينَ أوتوا الكِتابَ مِن قَبلُ فَطالَ عَلَيهِمُ الأَمدُ فَقَسَت قلوبُهُم وَكَثيرٌ مِنهمُ فاسِقون) وبين في موضع أخر سبب قسوة قلوبهم. فقال سبحانه (فَبِما نَقضِهِم ميثاقَهُم وَجَعَلنا قُلوبَهُم قاسِيَة) فأخبر أن قسوة قلوبهم كان عقوبة لهم على نقضهم ميثاق اللَه وهو مخالفتهم لأمره وارتكابهم لنهيه بعد أن أخذ عليهم مواثيق اللَه وعهوده أن لا يفعلوا ذلك ثم قال تعالى (يُحَرِّفونَ الكَلِمَ عَنِ مَواضِعِه وَنَسوا حَظّاً مِمّا ذُكِّروا بِهِ). فذكر أن قسوة قلوبهم أوجبت لهم خصلتين

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015