وإن كان كريماً على اللَه كما قال ذلك ابن عمر وغيره من السلف وروي مرفوعا. وأوجب ذلك أن يكون بين العبد وبين ربه عز وجل معرفة خاصة. فإن سأله أعطاه وإن دعاه أجابه كما قال في الحديث الإلهي) ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه إلى قوله فلئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه (وفي رواية) ولئن دعاني لأجيبنه (وفي وصيته صلى اللَه عليه وسلم لابن عباس) احفظ اللَه يحفظك احفظ اللَه تجده أمامك تعرف إلى اللَه في الرخاء يعرفك في الشدة (. فالشأن في أن العبد يكون بينه وبين ربه معرفة خاصة بقلبه بحيث يجده قريباً منه يستأنس به في خلوته ويجد حلاوة ذكره ودعائه ومناجاته وخدمته. ولا يجد ذلك إلا من أطاعه في سره وعلانيته. كما قيل لوهيب بن الورد يجد حلاوة الطاعة من عصى قال لا ولا من هم. ومتى وجد العبد هذا فقد عرف ربه وصار بينه وبينه معرفة خاصة. فإذا سأله أعطاه. وإذا دعاه أجابه كما قالت شغوانة لفضيل والعبد لا يزال يقع في شدائد وكرب في الدنيا. وفي البرزخ. وفي الموقف فإذا كان بينه وبين ربه معرفة خاصة كفاه اللَه ذلك كله وهذا هو المشار إليه في وصية ابن عباس بقوله صلى الله عليه وسلم) تعرف إلى اللَه في الرخاء يعرفك في الشدة (وقيل لمعروف ما الذي هيجك إلى الانقطاع وذكر له الموت والقبر والموقف والجنة والنار. فقال إن ملكا هذا كله بيده كانت بينك وبينه معرفة كفاك هذا كله. فالعلم النافع ما عرف بين العبد وربه ودل عليه حتى عرف ربه ووحده وأنس به واستحى من قربه. وعبده كأنه يراه. ولهذا قالت طائفة من الصحابة إن أول علم يرفع من الناس الخشوع وقال ابن مسعود إن أقواماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع وقال الحسن العلم علمان فعلم على اللسان فذلك حجة اللَه على ابن آدم. وعلم في القلب فذلك العلم النافع وكان السلف يقولون أن العلماء ثلاثة. عالم باللَه عالم بأمر اللَه. وعالم باللَه ليس بعالم بأمره. وعالم بأمر اللَه ليس بعالم باللَه وأكملهم الأول وهو الذي يخشى الله ويعرف أحكامه. فالشأن كله في أن العبد يستدل بالعلم على ربه فيعرفه فإذا عرف ربه فقد وجده منه قريباً ومتى وجده منه قريباً قربه إليه وأجاب دعاءه كما في الأثر الإسرائيلي) ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء (وكان ذو النون يردد هذه الأبيات بالليل. اُطلُبوا لِأَنفُسِكُم ... مِثلَ ما وَجَدتُ أَنا قَد وَجَدتُ لِي سَكَناً ... لَيسَ في هَواهُ عَنا إِن بَعُدتُ قَرَّبَني ... أَو قَرُبتُ مِنهُ دَنا وكان الإمام أحمد رحمه اللَه يقول عن معروف معه أصل العلم خشية اللَه: فأصل العلم باللَه الذي يوجب خشيته ومحبته والقرب منه والأنس به والشوق إليه. ثم يتلوه العلم بأحكام اللَه وما يحبه ويرضاه من العبد من قول أو عمل أو حال أو اعتقاد: فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه علماً نافعاً وحصل له العلم النافع والقلب الخاشع والنفس القانعة والدعاء المسموع. ومن فاته هذا العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي صلي الله عليه وسلم وصار علمه وبالا وحجة عليه فلم ينتفع به لأنه لم يخشع قلبه لربه. ولم تشبع نفسه من الدنيا بل ازداد عليها حرصاً ولها طلباً. ولم يسمع دعاؤه لعدم امتثاله لأوامر ربه. وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه. هذا إن كان علمه علماً يمكن الانتفاع به وهو المتلقى عن الكتاب والسنة. فإن كان متلقى من غير ذلك فهو غير نافع في نفسه ولا يمكن الانتفاع به بل ضره أكثر من نفعه. وعلامة هذا العلم الذي لا ينفع أن يكسب صاحبه الزهو والفخر والخيلاء وطلب العلو والرفعة في الدنيا. والمنافسة فيها. وطلب مباهاة العلماء ومماراة السفهاء وصرف وجوه الناس إليه وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم) إن من طلب العلم لذلك فالنار النار (وربما ادعى بعض أصحاب هذه العلوم معرفة الله وطلبه والأعراض عما سواه وليس غرضهم بذلك إلا طلب التقدم في قلوب الناس من الملوك وغرهم وإحسان ظنهم بهم وكثرة اتباعهم. والتعظم بذلك على الناس. وعلامة ذلك إظهار دعوى الولاية كما كان يدعيه أهل الكتاب. وكما ادعاه القرامطة والباطنية ونحوهم. وهذا بخلاف ما كان عليه السلف من احتقار نفوسهم وازدرائها باطناً وظاهراً وقال عمرو من قال إنه عالم
¥