وقال في الباب الذي بعد الحديث: ((والدليل)) على أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إنَّما أعلم أنْ لا وضوءَ إلا من صوتٍ أو ريحٍ عند مسألة سئل عنها في الرجل يخيل إليه أنَّه قد خرجت منه ريح فيشك في خروج الريح. وكانت هذه المقالة عنه صلى الله عليه وسلم: ((لا وضوءَ إلا منْ صوتٍ أو ريحٍ)) جواباً عما عنه سئل فقط، لا ابتداء كلام مسقطاً بهذه المسألة إيجاب الوضوء من غير ريح التي لها صوت أو رائحة. إذ لو كان هذا القول منه صلى الله عليه وسلم ابتداء من غير أنْ تقدمته مسألة كانت هذه المقالة تنفي إيجاب الوضوء من البول والنوم والمذي، إذ قد يكون البول لا صوت له، ولا ريح، وكذلك النوم والمذي لا صوت لهما ولا ريح وكذلك الودي)).
قلت: إذا ذهبنا نستخلي حقيقة الأمر بطريق البحث العلمي المستند إلى حقائق الأمور وقواعد أصحاب هذا الفن، نجد أنَّ أبا حاتم الرازي لم يحكم بهذا الحكم من غير بينة، إذ أشار في تضاعيف كلامه إلى أنَّ مستنده في الحكم بوهم شعبة واختصاره للحديث: مخالفة لجمهور أصحاب سهيل، وهذا هو المنهج العلمي الذي يتبعه أئمة الحديث في معرفة ضبط الراوي، وذلك من خلال مقارنة روايته برواية غيره، وكما تبين قبل قليل.
ولا يطعن في إمامة شعبة ودينه ـ فهذا أمر وهذا أمر آخر، ومن ذا الذي لا يخطيء. ولا يشترط أنْ يكون لفظ الحديث المختصر موجوداً في الحديث المختصر منه، بل يكفي وجود المعنى، إذ لربما اختصر الراوي الحديث، ثم روى اللفظ المختصر بالمعنى فلا يبقى رابط بينهما سوى المعنى، وهذا ما نجده في حديثنا هذا، وبه يندفع اعتراض ابن التركماني، ومن قلده.
وقد روى شعبة هذا الحديث عن شخص آخر عن سهيل.
أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (6929) في كلا الطبعتين من طريق يحيى بن السَّكن عن شعبة، عن إدريس الكوفي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا وضوءَ إلا منْ صوتٍ أو ريحٍ)).
قال الطبراني: ((ولم يدخل أحد ممن روى هذا الحديث عن شعبة بين شعبة وسهيل: إدريس إلا يحيى بن السكن)).
وهذا الحديث علته الاختصار أيضاً في متنه مع زيادة علة أخرى في الإسناد.
وفيه يحيى بن السكن قال عنه أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه 9/ 191 (643): ((ليس بالقوي))، و قال الخطيب في " تاريخ بغداد " 16/ 220 ط. دار الغرب: ((وكان أبو الوليد يقول: وهو يكذب))، وقال أبو علي صالح بن محمد: ((يحيى بن السكن لا يساوي فلساً))، وقال الذهبي في " الميزان " 4/ 380 (9525): ((ليس بالقوي، وضعفه صالح جزرة)).
ورواه شعبة من غير طريق أبي صالح.
أخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " 3/ 414 وفي ط. دار الغرب الإسلامي 4/ 653 - 654 من طريق محمد بن يحيى بن أبي سمينة، عن سعيد بن عامر، عن شعبة، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تَنْصرفْ حتّى تسمعَ صوتاً أو تجدّ ريحاً)).
ومحمد بن يحيى بن أبي سمينة هذا نقل حديثه الذهبي في " ميزات الاعتدال " 4/ 63 (8304) ونقل عن إبراهيم بن إسحاق الصواف يقول: ((محمد بن يحيي بن أبي سمينة وقد كانوا يغمزونه))، وعن أحمد بن حَنْبل أنَّه قال: ((هو أحب أليَّ منْ محفوظ ابن أبي توبة لولا أنَّ فيه تلك الخلة – يعني: الشرب -)).
ويشهد لرواية شعبة حديث السائب بن خباب (1) لكنه لا يصلح للتقوية.
أخرجه: ابن أبي شيبة (8074) وابن ماجه (516) والطبراني في " الكبير " (6622) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (3475) من طريق عبد العزيز بن عبيد الله.
وأخرجه: أحمد 3/ 426من طريق ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الله بن المبارك.
كلاهما: (عبد العزيز، ومحمد) عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: رأيت السائب يشم ثوبه فقلت له:مم ذاك؟ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا وضوء إلا من ريح أو سماع)).
وفي الإسناد الأول عبد العزيز بن عبيد الله، وهو ضعيف قال عنه الحافظ في التقريب (4111): ((ضعيف ولم يرو عنه غير إسماعيل بن عياش)).
وفي الإسناد الثاني: ابن لهيعة وهو ضعيف. وفيه أيضاً محمد بن عبد الله بن مالك، وهذا ترجم له البخاري في " التاريخ الكبير " 1/ 129 (380) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 7/ 406 (1652) وابن حجر في تعجيل المنفعة 2/ 188 (944) فلم يذكر أحد فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في " الثقات " 5/ 361 إلا أنه لم يأت بما يدل على أنه سبر روايته فيكون توثيقه مردوداً (2). ويكون محمد مجهول الحال.
.............................. .................
(1) جاء في رواية ابن ماجه ((السائب بن يزيد)) وهو وهم، ولعل الواهم فيه ابن ماجة نفسه؛ وذلك أنه أخرج الحديث من طريق ابن أبي شيبة وعند الرجوع إلى المصنف برقم (8074) وجدت الحديث للسائب بن خباب. وانظر تعليق مؤلفي المسند الجامع 6/ 10 (3955).
(2) قال الحافظ في" لسان الميزان " 1/ 14: ((وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب " الثقات " الذي ألفه فإنه يذكر خلقاً ممن ينصب أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون وكأن عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور وهو مذهب شيخه ابن خزيمة ولكن جهالة حاله باقية عند غيره)).
وانظر: تحفة الأشراف 9/ 159 (12603) و 165 (12629) و 178 (12683) و 187 (12718)، وأطراف المسند 7/ 199 (9216)، والتلخيص الحبير 1/ 331 (157)، وإتحاف المهرة 14/ 482 (18054)، وإرواء الغليل 1/ 153 (119).
¥