الأمر السابع: من المهم الإكثار من حفظ المتون قدر ما تستطيع، احفظ في كل فن ما استطاعت ذاكرتك أن تحفظ لأنك ستجد له فائدة عظيمة جداً في ثبات العلم وفي تكراره وفي الزيادة في هذا الفن، وتدرج، لنذكر متنا في أصول الفقه مثلا: فيبدأ الإنسان في الورقات للإمام الجويني، متن مختصر جداً، وهو من أئمة الشافعية، لا يتجاوز العشر أوراق هذا فيه مقدمة في أصول الفقه، لما تقرأه يعطيك فهرساً لعلم أصول الفقه كله، عشر أوراق تأخذ فيه المعلومات الأساسية، والفهرس العام لعلم أصول الفقه، من بدايته إلى نهايته، وما هي أبوابه المهمة التي تذكر فيه، هذا سهل على الذاكرة، ثم تزيد عليه متنا آخر، وابدأ بحفظ نظم الورقات للعمريطي فقد زاد فيها علماً كثيراً على الأصل لأنه جاء بالورقات فأراد أن ينظمها قال:

وقد سئلت مدة في نظمه ... مسهلا لحفظه وفهمه

فلم يكن مما سئلت بدا ... وقد بدأت فيه مستمدا

من ربي التوفيق والسداد.

لما بدأ ينظمها وجد أن هناك نقص في الأصل من الأمثلة، من بعض التعاريف، من كذا وكذا، فماذا فعل؟. زاد، فبلغت قرابة المائتين بيت، فالآن تدرجت، إذا وجدت في نفسك قوة في الطلب، انتقل إلى ما بعده وليكن المنهاج للبيضاوي مثلاً، أو الكوكب الساطع للسيوطي، أو التحرير لابن النجار هذه كلها في الأصول، وكلها متساوية، إذا حفظت الكوكب الساطع فقد حفظت علماً عظيماً، هذا للسيوطي رحمه الله تعالى، نظم فيه جمع الجوامع، جمع الجوامع لمن؟ لتاج الدين السبكي، هذا نهاية علم الأصول كتاب عظيم جداً مختصر جمع الجوامع، وليس مختصراً يعني انه قصير، لكنه مختصر في علم الأصول فإن انتقلت بعد ذلك إلى مختصر ابن الحاجب، ولو قرأت كلام أهل العلم، ومنهم الذهبي في السير على مختصر ابن الحاجب لوجدت أنه يتكلم كما يتكلم عن ديوان من دواوين الإسلام، ولا يقبلون ألا لمن قد قرأ مختصر ابن الحاجب وقرأ عليه أكثر من حاشية - رحمهم الله -.

فأكثر من حفظ المتون في كل فن، لا تقول أنا ما قصرت حفظت متناً واحداً، إن كنت تريد الوصول إلى مستوى عال جداً فأكثر من حفظ المتون في كل فن، وابدأ بالتدرج لا تبدأ من النهاية، يبدأ البعض بالكوكب الساطع قرابة ألف وأربع مئة وخمسين بيت، هذا يعطن، لا سيما وليس عنده مقدمات، لكن لو أنه حفظ الورقات ثم النظم ثم قرأ في مختصر البيضاوي ثم تأهل للكوكب الساطع سيجد أنه قد حاز علماً عظيماً، ولا يمكن أن يرد عليه مسألة في الأصول إلا يعرفها، نرجع إلى الكلام.

إذا أتينا مثلاً لعلم النحو: لا أبدأ بالألفية أو الكافية واحفظها وأقول لماذا أبدأ من الصفر؟ هذه فعلا نظرة موجودة، لكن ما تستطيع، العلم يأتي بالتدرج، ابدأ بالآجرومية، لا تقول والله أنا متعدي ومتأهل، نعم إذا قرأت المتن فوجدت أنك تحفظ التعاريف، وتدرك الأدوات والحروف وجميع الأحكام، هنا لا حاجة لحفظه، لكن لو قلت لك ما هي أدوات الشرط التي تجزم فعلين؟ تقول حرف أو حرفين، أين البقية؟ إذن أنت لم تدرك هذا المتن إلى الآن فابدأ بتدرج، ابدأ بالآجرومية، ثم إذا تأهلت إن كنت ممن يحب النظم فانتقل مباشرة إلى ملحة الحريري في أربع مئة وثلاثين بيت تقريبا وهي منظومة سهلة جداً جداً، أبياتها ليست معقدة وهي من أسهل المتون، وقد ألفها الحريري رحمه الله تعالى حسب ذاكرتي في يوم واحد، أو في أسبوع نسيت الآن، وهذا من عجائبهم رحمهم الله تعالى بعد ذلك إن رأيت أيضا أن تقوى ذاكرتك على المواصلة فلا تترك الألفية، فإنها علم عظيم وقد كان الشيخ محمد رحمه الله تعالى يغلو بها غلواً شديداً هذه الألفية، ولا يكاد يمر درس إلا ويذكر بيتاً أو بيتين من شدة تعلقه بهذه المنظومة وكان يراجعها رحمه الله إلى آخر حياته، وللأسف أن كثيراً من الناس لا يهتم بعلم النحو، يقول الناظم رحمه الله تعالى:

وبعضهم يفتي وهو جاهل ... إعراب بسم الله عنه ذاهل

فليس من أهل اللسان العربي ... وفي الأصول ماله من أرب

ومثل هذا لا يكون مرشدا ... لجهله النحو ومما أنشدا

وكلمة ابن مالك في الكافية ... إذ قال في بيتين وهي كافية

وبعد فالنحو صلاح الألسنه ... والنفس إن تعدم سناه في سنة

عليك بالنحو فإن النحوا ... لحن الخطاب لفظه والفحوى

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015