ولا لائقا، وكان التصريح مطلوبا بل مفروضا، ليأخذ بظنون الناظرين إلى موارد الرشد، فأحسن الصنيع وأجاد رحمه الله.

ومن أولئك الذين انتظموا في هذا السِّمْط، وترفعوا عن ذاك الفِعل المُنْحَط، الإمام الحافظ أبو الفرج ابنُ الجوزي -رحمه الله ورضي عنه-، وذاك حيث يقول: " .. ، حتى أنني أذكر من زمان الصَّبوة، ووقت الغُلمة والعُزبة، قُدرتي على أشياء، كانت النفس تتوق إليها تَوَقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي من العلم من خوف الله عز وجل" ([3] ( http://majles.alukah.net/#_ftn3)).

رحم الله ابنَ الجوزي وأسكنه فسيح جنانه، فقد كان ممن نفعه علمه، و أورثه من الصبر ما سيجد حُسنَ عاقبته يوم القدوم على الله تعالى، و أما نص كلامه فهو أبلغ في التعريض من كلام المحدث الدِّبثائي -رحمه الله-، وإن أفصح عن الغُلمة (أي شدة الشهوة) التي خالجت صدره، وقدرته على إخماد أوارها، ولكن خوف الله تعالى حَجَزَه عن ذلك، ونِعْم الحاجز.

ورابعهم - وإن كان متقدما عليهم-، وهو: الإمام الجليل، و المقرئ الزاهد، أبو بكر ابن عياش الكوفي -رحمه الله ورضي عنه-، وهو من طبقة أتباع التابعين، فقد قال مُخبرا عن نفسه: " .. ، وإنه -يقصد نفسه- لم يأت فاحشةً قط." ([4] ( http://majles.alukah.net/#_ftn4))

ولعل مثل هذا الكلام لا يستغرب من مثل تلك الطبقة، ولكن الغرابة في وقت ذكره لهذه البراءة من إتيان الفاحشة، إذ قالها وهو يحتضر، وروحه تُسلُّ من بين جنبيه، فما إن غرَبتْ شمْسُ حياته، حتى أطلعها بنور كلماته، التي ستُخلِّد ذكره، وتُشْهِر عِفة عِرْضِه وطُهرَه، فرحمه الله ورضي عنه.

وممن انتظم في سِلكهم، وإن أربى على رُتبتهم: الإمام اللغوي أبو الحسن علي بن محمد ابن خروف الحضرمي الإشبيلي، فقد كان يقول: "والله ما حللت مئزري قط على حلال ولا حرام".

فقد قال عنه ابن عبد الملك المراكشي:" وكان أبو الحسن - رحمه الله - صرورة ([5] ( http://majles.alukah.net/#_ftn5)) لم يتزوج قط إلى أن توفي، ... ،وكان مشهورا بالصدق وطهارة الثوب والصيانة والعفاف". ([6] ( http://majles.alukah.net/#_ftn6))

وما شدَّني في كلامه مُشابهته الشديدة لنص كلام الإمام ابن حزم، وليس مستبعدا أن يكون متأثرا به في حَبْكه ([7] ( http://majles.alukah.net/#_ftn7))، أما ترْكُهُ للحلال -أيضا- فيه ما فيه، ولعلّه معذور في ذلك، رحمه الله ورضي عنه.

فهذا ما التقطته من درر وقفتُ عليها أثناء البحث والمطالعة، وقد يفوتني غيرُ ما أوردت، إذ أنني لم أجعل همي جمع تلك المقولات واستيعابها، وقد قصدتُ برصِّها ورصْفِها في هاته المقالة، أن أشحذ همتي وهمتك أيها الشاب، حتى نغالب هاته المُغرِيات المُؤجِّجَة لنار الشهوة، والتي عمَّتْ وطمَّتْ، فأحذقتْ بنا من كل جانب، وتعلمَ بأنك لستَ الوحيد الذي حلَّت به هاته الفتن، بل كابدها ثُلَّة من أئمتنا وعلمائنا، فما إن خرجوا منها سالمين ناجين، حتى أخبروا بذلك عن أنفسهم بما يوجب لهم المدح والثناء، و وافر النوال عند الله والجزاء، فبأمثالهم يصح الاقتداء، كما أنَّ لي قصْدٌ ثانٍ، وهو:

أن أُلْفِتَ انتباه مشايخنا وعلمائنا إلى هاته السُّنة الحسنة التي سنَّها أئمتنا، فيقتدوا بهم في الإخبار عن أنفسهم بما يدل على براءة ساحتهم، ونقاوة حُجَزِهم، مما يدفع هذا الجيل إلى اقتفاء أثرهم، والسير على خُطاهم في عدم تدنيس شَرَفهم بمقارفة ذاك الجُرم الخسيس، فإنني لم أجد من مشايخ العصر -بحسب اطلاعي القاصر- من انتهج تلك السنة، إلا شيخا وعالما واحدا، به أختم هاته الكوكبة النيرة من العلماء، وهو:

شيخنا العلامة، المحدث المحقق، الأديب الشاعر، محمد بن الأمين بوخبزة التطواني الحسني -شفاه الله وحفظه-، وذلك حيث ذكر عبارة الإمام ابن حزم - وقد سبق سَوْقُها- في إحدى كنانيشه. ([8] ( http://majles.alukah.net/#_ftn8))

وتلك منقبة من مناقبِه، تُعلي من ذكْرِه و مراتبِه، وتنأى بالسوء عن جانبِه، فلْيَهنأْ حين أتى الطُهر والعفاف من أعذب مشَارِبه، ومتع الله ببقائه ووقاه حوادث المَلَوان.

فبهذا الشيخ الجليل كان الختام، وأرجو من الله تعالى أن يوفقني وأمثالي للانحياش ضِمن تلك الزمرة الخيِّرة، والاتصاف بتلك الصفة التي وسم بها "عباد الرحمان"، وهي: أنهم لا يزنون، كما أسأله تعالى أن يغفر لي خطاياي، وأن يُنجِّيَ من حر النار مُحياي، فهو ولي ذلك والقادر عليه.

انتهى من رقْمها: نور الدين بن محمد الحُميدي الإدريسي، ليلة يوم الإثنين 3 ذي القعدة 1431هـ، الموافق لـ11 أكتوبر 2010م.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015