كان في بداية حياته الشعرية يلجأ إلى أساتذة الأدب ليقدموا دواوينه إلى القراء، فأحمد حسن الزيات كتب مقدمة ديوانه مواكب الذكريات والدكتور طه حسين كتب مقدمه لديوانه الأمس الضائع. ثناؤهما وأمثالهما على شعر القرشي هو من باب العموميات التي يقصد منها إعلان الاستحسان العام
شدى حسن القرشي في عصر اشتدت فيه الحملة من بعض أهل زمانه على شعر المناسبات بعامة، وشعر المديح بخاصة، وجنح فيه كثيرون إلى الشعر الوجداني، وأكثر آخرون من الشعر الديني. وجد كثيرون من أهل زمانه في طريق شعر التأمل والشك والتشاؤم. وتباروا في ذلك، وفي شعر الطبيعة والانغماس في المذاهب الحديثة وبخاصة الرومانسية (الخيالية التجديدية).
وإذا كان القرشي قد طرق أغراض شعر عصره كلها فإن الذي حوته دواوينه الأحد عشر ينكمش فيه نصيب المدح، فلعل الشاعر لم يرتح لنشر مثل تلك القصائد لسبب أو أكثر
. والشاعر حسن القرشي نظم في اغلب الاغراض الشعرية ومنها مايلي-
1 - يأتي الشعر الوجداني في المرتبة الأولى من حيث الكثرة، وله فيه دواوين مستقلة مثل (سوزان)، غير أن نغمة الألم والحزن تسيطر على هذا اللون من شعره، وهي نزعة كادت أن تسيطر على أشعار جل أهل زمانه حتى لقد وصفهم (إيليا أبو ماضي) بأنهم كالنساء يحبون المدح ويميلون إلى البكاء.
2 - أما الشعر الوطني والقضايا العربية فإنه يأتي من حيث الكثرة عند القرشي بعد الشعر الوجداني وأقرب ما يمثله من دواوينه:
أ- نداء الدماء ب- لن يضيع الغد.
جـ- فلسطين وكبرياء الجرح وهو في هذا اللون الشعري لا يتأمل ويفكر ويحلل ثم يستنتج بل ينقاد لثورة نفسه وثورة مشاعره فيأتي بشعر خطابي مجلجل، شأنه في ذلك كشأن عامة من نظم في هذا من شعراء عصره ومثال ذلك في شعره قوله.
مَوَاكِبُ العُرْبِ يَا أُنْشُوْدةَ الظَّفَرِ ... سِيْرِي إلى النًصرِ لا تُبْقِي وَلاَ تَذَرِي
اللًهُ أكْبَرُ هَذَا الشَمْلُ مُلْتَئِم ... وَسَوْتَ يَبْقَى جَمِيعاً غَيْرَ مُنْتَثِرِ
مَلاَحِمُ الحرْبِ مِيْرَاث لَنَا أَبَدَاً ... وَسَوْتَ نُلْقِى بإِسْرائِيْل فِي سَقَرِ
3 - الشعر الدينْي وهذا جانب في شعر القرشي أهمله الباحثون الذين كتبوا عنه إلا في إشارات يسيرة عند بعضهم ولعل ذلك راجع إلى غلبة الشعر الوجداني فيما نظم الرجل، حتى عرف به واشتهر فيه. والواقع أن للرجل أشعاراً دينية حسنهَ نجدها في بعض دواوينه منبثة داخل أغراضه لتشهد للرجل بأنه لم يكن بعيدا في شعره عن منبته ومدرجه، وماضي أمته ومستقبلها وأكثر ما تجد ذلك في ديوانه [الأمس الضائع].
والذي يعنينا من هذا الديوان هو باب التهويمات كما يسميها صاحب الديوان ففي هذا الباب نظم الشاعر جملة من القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وفي جوانب من سيرته، وفي الكعبة المشرفة، وختم الباب بقصيدة فيها تضرع ودعاء وشكوى إلى الباري تبارك وتعالى من النفس اللوامة.
ومن قوله في مولد النبي صلى اللّه عليه وسلم:
هَلَلِي يا بِطاحَ مكةَ لِلْيُمْن ... ِوتِيْهي على البلاد وسُودي
وَأَشْرِعِي بَاليَتِيْمِ رَاَيَةَ مَجَدٍ ... هِي عِنْدَ الفَخَارِ أعْلى البُنُوْدِ
كم على مهلِهِ النضِيرِ قدانَىِ ... الْبشْرُ تحدوهُ زاهيات الورودِ
أيُ مَهْدٍ مِنَ العَبِيْرِ ندِيّ ... ضَمَّ دُنْياً مِنَ السنَا وَالسُّعُوْدِ
4 - الوصفْ وهذا أوسع الأغراض وأرحبها في الشعر، ينبث في كل غرض ويندس في كل موضوع، ولذا قالوا إن جماع أغراض الشعر الوصف ومنه تتفرع. ولقد أكثر القرشي من الحديث في الوصف، وكان في بعضه متأملا دقيق الملاحظة، وقد يكون الغرض منه الرمز، كما هو في وصفه فراشة ظلت تدور حول ضوء المصباح مفتونة به حتى إذا ملكتها الفتنة ألقت بنفسها في لهبه فاحترقت:
وَفَراشَةٍ طَارَتْ لِتَحْتَرِقَا ... كَم أرْعَشتْ بِجَنَاحِهَا الغَسَقَا
مَوْتُورَة مِنْ نَفْسِهَا جَنَحَتْ ... للِضَّوْءِ تَكْسِب فَوْقَه الرمَقَا
حَسِبَتْهُ يَرعَى حُسْنَهَا فَرِحاً ... وَيَشمُّ منْهِا عَرفْهَا العَبِقَا
لَكِنًهُ أوْدَى بِهَا حَرَقاً ... فَهَوَت عَلَى جَنبَاتِهِ مِزَقَ
¥