القسم الأول: سمات البناء: النظم والترتيب، والتأليف والتركيب. فالأول والثاني يمثلان درجة الجوار بين عناصر الكلام البليغ: (علاقة ظاهرية)، والثالث والرابع يمثلان درجة الحوار بين عناصر الكلام البليغ: (علاقة باطنية) القسم الثاني: سمات التصوير: الصياغة والتصوير، والنسج والتحبير. فالأول والثاني يمثلان درجة السبك (صناعة المعادن) والرسم، والثالث والرابع يمثلان درجة الحبك (صناعة النسيج) والنقش.
البناء مبدؤه: "نظم"، ومنتهاه: "تركيب". والتصوير مبدؤه: "صياغة"، ومنتهاه: "تحبير". فالتناسق التصاعدي ظاهر للعيان في جمع وتنفيذ هذه السمات على هذا النحو في ذلك الموضع الفريد، الذي لم يتكرر مثله في أي موطن من كتبه. وهذه السمات الثمانية جامعة لما يعرف بتمام بلاغة الخطاب، ولما به عمود بلاغته، كما سيأتي.
وهو إذْ يشير إلى أنَّ هذا قائم في مقالة العلماء في بيان معنى البلاغة وجوهرها، وكان حقه أن يكون كافياً، فإنه يصرح بأنه قد وجده على خلاف ما حسب، فما يزال كثير في حاجة حوجاء عظيمة إلى تفصيل وتبيين.
وهو يؤكد أنّ الإجمال في تفسير الفصاحة غير كاف في معرفتها، وغير مغن في العلم بها الآن، فشأن الفصاحة شأن الصناعات كلها، فكما أنه لا يكفيك أن يقال لك: النسج هو ترتيب للغزل على وجه مخصوص، وضمّ لطاقات الإبرسيم بعضها إلى بعض على طرق شتى، فإنَّ ذلك لا يوقفك على حقيقة النسج وطريقته، فالأمر كمثله في شأن نظم الكلام وبلاغته ().
ومن ثمَّ قرر الإمام عبد القاهر ضرورة المنهج التحليلي في شأن العلم بالبلاغة، فهو من أكثر العلوم اقتضاء إلى التفصيل والتحليل، فالبلاغة لا يكفي ((أن تنصب لها قياساً ما، وأن تصفها وصفاً مجملاً، وتقول فيها قولاً مرسلاً، بل لا تكون معرفتها في شيء حتى تفصِّل القول وتحصِّل، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، وتعدها واحدة واحدة، وتسميها شيئاً شيئاً، وتكون معرفتك معرفة الصَّنَعِ الحاذق، الذي يعلم علم كل خيط من الإبرسيم الذي في الديباج، وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطَّع، وكل آجُرَّة من الآجُرّ الذي في البناء البديع)).
ويقول في موطن آخر: ((واعلم أنك لا تشفي العلة، ولا تنتهي إلى ثلج اليقين، حتى تتجاوز حَدَّ العلم بالشيء مجملاً إلى العلم به مفصلاً، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه والتغلغل في مكانه، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه، وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يصنع فيه إلى أن يعرف منبته، ومجرى عروق الشجر الذي هو فيه)). وتحقيق ذلك التفصيل مقتض صبراً جميلاً على التَّأمل، وإدماناً حميداً على التدبر، فإن المطمح نبيل والمستشرف جميل.
وهو إذْ قرر فريضة المنهج التحليلي في النظر البلاغي والنقديّ، يقرر معه فريضة التأويل الموضوعي للسمات البيانية للخطاب، ولا يقنع بالتعليلات والتوجيهات الانطباعية الذاتية التي لا تتولد من رؤية موضوعية لمقومات فصاحة الخطاب. يقول: ((وجملة ما أردت أن أبينه لك: أنه لابد لكل كلام تستحسنه، ولفظ تستجيده من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة وعلة معقولة، وأن يكون لنا إلى العبارة عن ذلك سبيل، وعلى صحة ما ادعيناه من ذلك دليل))).
وهو في تقريره فريضة التأويل الموضوعي والإبانة عن العلل يعلم أنه ما كل واحد بالقادر على الوفاء بتمام ذلك، وهذا لا يدعو إلى أن يترك النظر كلية لعدم الوفاء بالتمام: ((واعلم أنه ليس إذا لم تمكن معرفة الكل وجب ترك النظر في الكل، وأن تعرف العلة والسبب فيما يمكنك معرفة ذلك فيه، وإن قلّ، فتجعله شاهداً فيما لم تعرف، أحرى من أن تسُدَّ باب المعرفة على نفسك وتأخذها عن الفهم والتفهم وتعودها الكسل والهوينا))
موضوعية التأويل والتذوق تصاحبها ـ عند الإمام ـ قابليتها للإبانة عن ثمارها إبانة تهدي إلى مواطن الجمال وأسبابه.
¥