ب – قال الكاتب والشاعر النصراني أمين نخلة (ت 1976م) في كتابه "في الهواء الطّلْق": كلما قرأتُ القرآن قلتُ لنفسي: ويحكِ انجِ فإنكِ على النصرانية"!
10 - كان من فواجعي أني اكتشفتُ زور هذه الأنفس الإنسانية مبكّرًا ..
كنا نسكن عام 1400هـ في شارع الخزان في الرياض قريبًا من مبنى التلفزيون، وسمعت من بعض من ألعب معهم في الحارة أنهم يسجّلون حلقات لبرنامج من برامج الأطفال مشهورٍ في تلك الأيام، وأنهم قد حددوا موعدًا –بعد الظهر- لحضور التسجيل في يوم معلوم يحضره من شاء.
كانت سني بين الحادية عشرة والثانية عشرة، ففرحت كثيرًا أن أرى صورتي قد خرجت على الشاشة (في الكبار اليوم من يفرح كثيرًا لهذا!).
ذهبنا أربعة أو خمسة من الأولاد بثياب متسخة لكثرة ما لعبنا بالكرة وتمرغّنا في الإسفلت، ولم أكن أنا وأحد الرفقة نلبس الأحذية، مشينا حفاةً حتى دخلنا المبنى، وتوجهنا إلى أستديو التسجيل، وقصدنا آخر الكراسي؛ لأن حالتنا ما كانت تسرّ ..
ورأيت ماما .... مذيعة البرنامج شوهاء عابسة تنهر هذا وتصيح في وجه ذاك، قد أجلست ولدها على كنب مريح بعيدًا عنا يقدم له العصير ونحن رصصنا رصّاً كالغنم، ثم حضر الأستاذ صالح .... مخرج البرنامج فاقترب منا وتأمَّلنا في حزم كأنه ضابط يستعرض كتيبة من الجند، فوقعت عينه على قدمي زميلي، فصرخ في وجهه وقال له: تأتي إلى البرنامج متسخ الثياب حافي القدمين يا قذر، ألا تعلم أن كبار المسؤولين يشاهدون هذا البرنامج، ألا تعلم أن الملك يشاهده .. وتوجّه إليه وطرده شرّ طردة على مرأى منّا ومسمع، فجمدتُ في مكاني ومرّت عليّ لحظات كأنها الدهر كله (هذافي برنامج للأطفال .. ) إلا أن عينيه تخطتني لحسن الحظّ بعد أن وقفتْ عليّ قليلاً ..
ثم إنهم أخبرونا أن هناك أنوارًا مواجهة لنا إذا أضاءت فعلينا أن تصفّق، وكنت أحسب أن الأطفال يصفقون فرحًا من عند أنفسهم .. توارى المخرج خلف الكاميرات والأسلاك، وأخرجت المذيعة من حقيبتها بعض الأدوات وأصلحت من شأن نفسها على عجل وبدأ التصوير، فابتسمت الماما ابتسامة كاد ينشق لها فمها، و المخرج خلف الكواليس يهمس ويوجّه ويشير بيديه في عصبية شديدة، والطفل يخرج للميكرفون في يد المذيعة ينشد أو يجيب عن سؤال، فتبتسم في وجهه، وتنظر إليه في دفء وحنوّ .. فلما أوقفوا البرنامج للراحة عبست المذيعة –والله- وتغيّرت سحنتها لا أدري كيف، وأنا من هذا كله في خوفٍ من أن يقبض عليّ بلا نعل، ودهشةٍ من هذا الذي يحدث إلى أن انتهى البرنامج، فخرجنا مسرعين وصاحبنا المطرود ينتظرنا عند الباب في خِزي وغَيرة، وأحسست وأنا أعود إلى البيت بشيءٍ يتكسّر من نفسي ويهوي في مجاهلها فأكاد أغيب، لكن ما كنت أتبين ما هو في تلك السن المبكرة (قرأت فيما بعد لطاغور: ثمة قَفْرٌ فسيح اسمه القلب، في أعماقه أضعتُ سبيلي).
كان ذلك كله: مقابل أن أرى صورتي لثوانٍ معدودات على شاشة التلفزيون، وقد التصقتُ بالكرسي وتجمّعتُ خوف أن أُرى .. فيا لبهجة الطفولة ..
11 - في كتاب "الهوامل والشوامل" ــ وهي الأسئلة التي سألها أبو حيان التوحيدي، وأجاب عنها مسكويه –هذا السؤال: "سأل أبو حيان: لِمَ أحبّ الإنسانُ أن يَعرف ما جرى من ذكره بعد قيامه من مجلسه؟ ".
قلتُ: ثم إن مسكويه أجاب عن سؤال أبي حيان جوابًا يصلح له قول
بعض العلماء: السؤال ذكر، والجواب أُنثى، فما أتى مسكويه بشيء.
وأما أنا فكنتُ إذا ضمّني مجلسٌ مع بعض النخبة تعجّلتُ الانصراف؛ حتى أترك لهم فرصةً للحديث عني!
يا ربّ: أهلكني الناس؛ فساعدني اللهمّ حتى لا أتحنّث لصورتي في محاريب أنفس الآخرين ..
ـ[الجسور]ــــــــ[14 - Feb-2010, صباحاً 12:40]ـ
رائع رائع ... أيها البارع ..
الشيخ الهدلق نسيج وحده
أعجبني أن سماه أحدُهم (خطيبَ السلفية) في أهل الحديث
أبو أحمد يملك مقومات الكتابة الأدبية الراقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى ..
ثبته الله وزاده من فضله.
ـ[عميشان]ــــــــ[14 - Feb-2010, صباحاً 02:18]ـ
والله أن من ينقل مقالة عبدالله الهدلق مثل من يهديني
ومقالات عبدالله الهدلق من أجمل الهدايا
شكراً لك
وشكراً للأديب السلفية على هذا الابداع
ـ[أبو الطيب المتنبي]ــــــــ[14 - Feb-2010, صباحاً 02:56]ـ
أحسن و الله من نقل هذه المقالة لنا، فهي من الروائع، لكني أحببت فائدة فيها وأحببت أن أقيدها في قراطيسي وهي فائدة الأمير شكيب أرسلان فهل من توثيق لها فلقد بحثت في مجلة المنار عنها، وفي كتاب الأمير شكيب للشرباصي، وكتاب رشيد رضا أو إخاء أربعين عاما، وتاريخ الأستاذ الإمام فلم أجدها فهل لنا من ذلك؟
ـ[عبدالله العلي]ــــــــ[14 - Feb-2010, صباحاً 11:14]ـ
أبشروا بالخير، وبنشر كل جديد لشيخي الحبيب أبي أحمد الهدلق بإذن الله
ـ[أبو الطيب المتنبي]ــــــــ[14 - Feb-2010, مساء 11:47]ـ
بارك الله فيك وفي شيخك، وأرجو منكم معرفة مصدر رسالة الأمير شكيب للسيد محمد رشيد رضا ـ رحمهما الله ـ وأرجو أن تقريء شيخكم السلام، وتخبره أن أهل المجلس ـ أظن ذلك ـ يشتاقون إلى ما يكتب، ويحبون كل مقالاته، ووالله تمنيت أن يخرجها في كتاب مع تحقيق نصوص ذلك الكتاب، ولأن الشيخ منصرف إلى العلم فليس له إلا تلميذه الوفي الذي سيقف على كل موضع وطأته قدم أستاذه، أليس كذلك يا أستاذنا الجليل عبد العلي
¥