ـ[أبو بكر العروي]ــــــــ[02 - Feb-2010, صباحاً 01:55]ـ
الجواب عنه سهل؛ لأنه مبني على فهم غير صحيح لمعنى السرقة عند المتقدمين.
لأن السرقة كما قلنا هي الإتيان بمعنى قد سبق الشاعر إليه، حتى وإن كان بيته أفضل من السابق، وحتى إن لم يكن يدري أنه قد سبق أصلا، والسرقات عند البلاغيين ثلاثة أنواع: النسخ والمسخ والسلخ، فالأولان مذمومان والأخير محمود، وقد فصل في ذلك ابن وكيع في مقدمة المنصف فذكر أنواع السرقات المحمودة والمذمومة، هذا أولا.
وأما ثانيا، فمَن الذي قال إن الأصمعي لم يسبق إلى ذلك؟ أنا لا يحضرني الآن نص بعينه عمن سبق الأصمعي، ولكن أحسب أن مثل هذا قد مر علي لمن هو أعلى رتبة من الفرزدق أصلا.
وأما ثالثا، فمن قال إن جرير لم يفطن لذلك؟
ألم يقل جرير: ألم تعلم مسرحي القوافي ..... فلا عيا بهن ولا اجتلابا؟
فهذا تعريض بالفرزدق أنه يأخذ شعر غيره ويجتلب معانيه.
وأما رابعا، فيمكن قلب استدلال الحربي عليه فنقول: إذا فرضنا أن الأصمعي لم يسبق إلى قوله، فقد مر على قوله مئات السنين ولم يتعقبه أحد من العلماء المعتبرين، فكان ماذا؟
وأما خامسا، فقد صرح العلماء بأن جريرا كان يتهم الفرزدق بالانتحال، كما جاء في العمدة لابن رشيق أن جريرا كان يرمي الفرزدق بانتحال شعر أخيه الأخطل بن غالب، وقال فيه:
ستعلم من يكون أبوه قيناً .......... ومن كانت قصائده اجتلاباً
ثم إن قصائد جرير مليئة بالفحش العظيم الذي لا تكاد تجد له نظيرا، فما حاجته إلى الإزراء على الفرزدق بالسرقة وهو يرميه بما هو أشنع بمراحل!
وليس المقصود تفضيل جرير على الفرزدق أو الانتصار للأصمعي، وإنما المقصود بيان الوجه الذي ينبغي حمل الكلام عليه وعدم الإسراع إلى تخطئة العلماء، ويقل في المعاصرين من يعرف أن الأصمعي كان من كبار نقاد الشعر، لا أنه فقط من كبار علماء اللغة.
والله تعالى أعلم.
بارك الله فيك يا أستاذ.
ومن ألطف ما قرأت للأصمعي رحمه الله تعالى في نقده الشعر، استبعاده أن يقول امرؤ القيس هذا البيت:
ألا إن لا تكن إبل فمعزى ***** كأن قرون جِلّتها العصيّ
قال: "امرؤ القيس ملك لا يقول مثل هذا." أو قال كلامًا يقاربه.
ـ[سالم السمعاني]ــــــــ[06 - Feb-2010, صباحاً 04:23]ـ
غفر الله ذنبكم أبا مالك ..
وشكر لكم سعيكم.
ـ[سالم السمعاني]ــــــــ[10 - Feb-2010, مساء 05:36]ـ
(من أحمد الحربي):
الشكر موصولٌ إلى الأستاذ أبي مالك العوضي، فنقاش مثله مثمرٌ إن شاء الله، والغرض الفائدة ليس إلاّ ..
أخي الحبيب أبا مالك .. ما كنتُ أقصد إلا السرقة التي تفضلتَ ببيانها، لا أن يأخذ قصيدةً بكاملها وينتحلها لنفسه! مع إنه حدث أن انتحل كلا الشاعرين أبياتاً لغيرهما، بل ربما قصائد إن لم تخُنِّي الذاكرة.
ومع أني جريريُّ النزعة! إلاّ أن قبول اتهام جريرٍ للفرزدق! لا يصح الأخذ به في عالم القضايا! لإنه خصمٌ ولا تُقبل شهادة الخصوم في بعضهم، إلا مع الإقرار.
أيضاً فلو قلبنا على جريرٍ الاتهام لكان صحيحاً، لإنه حتى جريرٌ يسرق من غيره، فليست كل قصائده مبتكرة المعاني وليدةَ قريحته! وهذا عامٌ في الشعراء، ولو قيل إن كل الشعراء بلا استثناء يسرقون لما كان القائل بعيداً عن الصواب.
ولا يصح قول الأصمعي بأن جريراً ليس له حظٌ من السرقة إلا نصف بيت، فقد قال ابنُ رشيق القيرواني في العُمدة: " وأما الانتحال عندهم فقول جرير:
إن الذين غدوا بلبِّك غادروا
وشْلاً بعينِك لا يزال معينا
غيّضْن من عبراتهن وقُلْن لي
ما ذا لقيتَ من الهوى ولقينا
فإن الرواة مجمعون على أن البيتين للمعلوط السعدي انتحلهما جرير، وانتحل أيضاً قول طفيلٍ الغنوي:
ولما التقى الحيّان ألقيتِ العصا
ومات الهوى لما أُصيبتْ مقاتلهْ
انتهى من كلام ابن رشيق
لو قَبِلْنا شهادة جريرٍ هنا لقبلنا شهادته بأن الفرزدق قينٌ حقّاً وواقعاً ... الخ من النعوت التي نعت بها الفرزدق، فيلزم من قبول القول هنا قبول القول هناك، وهيهات هيهات! إذن .. فما عدا جريرٌ إلاّ أن أراد أن يغيض خصمه بذلك الاتهام، ولو كان غير صحيح ولا واقع! وهذه خصوصية شعر الهجاء.
زيادةً على ذلك فإنه يلزمك إن قبلتَ شهادة جريرٍ في الفرزدق! قبول قول الفرزدق في جرير حين رماه بنفس التهمة فقال فيه:
إن تذكروا كرمي بلؤم أبيكمُ
وأوابدي تتنحّلوا الأشعارا
أما قولك: " ثم إن قصائد جرير مليئة بالفحش العظيم الذي لا تكاد تجد له نظيرا، فما حاجته إلى الإزراء على الفرزدق بالسرقة وهو يرميه بما هو أشنع بمراحل! " فهذا غير دقيقٍ في نظري! بل إن الرمي بالسرقة أشنع بكثيرٍ وأفَتُّ في عضُد الخصم من الرمي بالعظائم التي في أغلبها لا حقيقة لها، فكونك تأتي إلى الخصم وتشكك في سلاحه الذي يتجاسر به، فهذا أشدُّ إيلاماً من غيره، بل ما تجمهر الناس حولك إلا بسبب سلاحك الشعري، ولو نثرْتَ دفاعك عن نفسك وبلغتَ ما بلغتَ من البيان لانصرف الناس من حولك! لتمكن خصمك من السلاح وعريِّك منه.
يا أخي الكريم، تسعة أعشارٍ! هذه ليست بالنسبة الهيِّنة! وما أبعدها عن الصواب وأقربها من الجور، وهل تتصور من عصرٍ به الفحول من الشعراء الكبار والنُّقّاد وأهل اللغة ورُبّان سفينتها، ثم يمر عليهم الفرزدق بتسعة أعشارٍ من الشعر المسروق المعاني والأفكار! ثم لا ينتبهون له! هذه جنايةٌ على عصرٍ بكل ما فيه من كوادر!
وأيضاً، فلا يُسلّم قبول القول هكذا اعتباطاً دون سرد قصائد الفرزدق والإشارة في كل قصيدةٍ إلى موطن السرقة، وذكر من سرَق منه!
من جهة أخرى؛ فإن في هذا إنقاصاً من قدْر جرير، حين يرضى جريرٌ أن يُجري نقائض لعقودٍ من السنين مع من لا يستطيع أن يأتي إلا سارقاً.
أخي الكريم لا يهمنا من أقسام السرقات في شيء إلا القسم المذموم، لإن القول بأن تسعة أعشار الفرزدق سرقة جاء مجيء الذم وسِيق مساق القدح، فلا داعي للتنويه عن التقسيم.
أخيراً من باب الفائدة، قال الرواة والنقاد: قلّ بيتٌ إلا وقد أُخِذ خلا بيت عنترة في الذُّباب:
فترى الذُّباب بها يُغنِّي وحده
هزجاً كفعل الشارب المُترنِّمِ
غرِداً يسُنُّ ذراعه بذِراعِه
فِعل المُكِبِّ على الزِّناد الأجذمِ
بورك فيك
¥