كما يجدر بنا-قبل المُضي إلى دراسة الجديد في شعره- أن نذكُر ما ساقه أحد النقاد الفضلاء فيما يتعلّق بفكرة ارتفاع الشعر بالجمهور، إذ قال:" .. وهذه الفكرة8، فكرة ارتفاع الشعر عن الجمهور، نراها عند أبي تمام لأوّل مرّة في تاريخ الشعر العربي، وهي إحدى الأفكار المهمّة التي تثار في النقد الحديث، فهل يحسن بالشاعر أن يسير وراء الجمهور، أو يحسُن به أن يصعد بالجمهور إلى آفاقه العليا من الفلسفة والثّقافة والعمق والدّقة .. "9.
ويتّضح من خلال هذه المقولة تغيّر نظرة الشّاعر إلى الشعر في العصر العباسي، و ممّن نظّر لهذه النّظرة وطبّقها شعريًا أبو تمام، فلا بدّ من معرفة أنّ الشعر قد أصبح ترفًا، وأصبح الشّاعر لا يقصد إليه إلاّ ليُرضي الطّبقة المثّقفة الممتازة، لا ليُعبّر عن شعور الجمهور، كما كان الشّأن في القديم، ولم يتخّذ الشعرُ عند أبي تمام هذا المسلك إلاّ لإيمانه من أنّ الدّرس اللغوي قد انسلخ ومات، وخلَفَه درسٌ آخر عقلي فلسفي، والبيئة العبّاسية لمن تمعّن فيها هي بيئة عقلية، استحوذت فيها المعتزلة على الذّوق الأدبي، بل وأخضعت الدولة إلى الإيمان بفكرها ومعتقدها، فأدرك أبو تمام هذا التّيار وصاغ على منواله الذي يُمجّد العقل والمنطق، فدام شعره ديمومة هذا التيار، لأنّ الشعر لم يعد فيضًا عاطفيًا عفويًا، بل أصبح عند أبي تمام عملاً عقليًا خالصًا، يصدر عن الطّبع وفق آلية منظمّة، ومن ثمّ فإنّ تأثيره يرتبط في هذه الحال بتصوّر عقلي خالص، قوامه الاستواء10
وزيادة على هذه الابتكارات، بجدر بنا ذكر الصّحيفة، وقد سبق رصدُها وإدراجها ضمن ثقافة أبي تمام النقدية، ولكنّها في الحقيقة خطوةٌ جبّارةٌ من الشّاعر وفي عصر مبكر إلى الاهتمام بمحيط الشّاعر النّفسي ودعوة من الشاعر إلى بلوغ حدّ البلاغة، ولا بدّ من إعادتها كيما نستخرج منها بصمات المبدع، بعد أن استخرجنا منها توقيعات المثقّف.
قال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري:"كنتُ في حداثتي أرومُ الشعرَ، وكنتُ أرجعُ فيه إلى الطّبع، ولم أكن أقفُ على تسهيلِ مأخذه، ووجوه اقتضاءه، حتّى قصدتُ أبا تمام، فانقطعتُ فيه إليه، واتكّلتُ في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة، تخيّر الأوقاتَ وأنتَ قليلُ الهموم، صفرٌ من الغموم، واعلم أنّ العادةَ في الأوقاتِ أنْ يقصدَ الإنسانُ لتأليف شيءٍ أو حفظه في وقت السّحر، وذلك أنّ النّفس قد أخذت حظّها من الرّاحة وقسطها من النّوم، فإنْ أردت النّسيبَ فاجعلِ اللفظ رقيقًا، والمعنى رشيقًا، وأكثر فيه من بيان الصّبابة، وتوجّع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، وإذا أخذت في مدح سيّدٍ ذي أيادٍ فأشهِرْ مناقِبَه، وأظهرْ مناسْبه، وابنِ معالمه، وشَرفَ مقامه وتقاضَ المعاني واحذر المجهول منها، وإيّاك أنْ تشينَ شعرك بالألفاظ الرّزية، وكن كأنّك خيّاطٌ يُقطّعُ الثّيابَ على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضّجرُ فأرحْ نفسَك، ولا تعملْ إلاّ وأنتَ فارغ القلبِ، واجعلْ شهوتك لقول الشّعر الذّريعة إلى حُسن نظمه، فإنّ الشّهوةَ نِعمَ المُعين،وجُملة الحال أنْ تعتبِرَ شعرك بما سلف منْ شعر الماضين، فما استحسنته العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إنْ شاء اللّه"11.
ولعلّ أبا تمام أوّل ناقد قديم للشعر، يتنبّه إلى "إعداد النص الشعري" إعدادًا يُحقق أقصى درجات الجودة الفنّية، فنراه يُقرّ في صحيفته التّوجيهية أنّ ثمّة مبادئ يجب على الشاعر مُراعاتها لإنتاج عمله، ويمكننا إجمالها في:
{موضوع آخر مستقلٍّ بحول الله، والسلام عليكم}.
1 شرح ديوان الحماسة المنسوب لأبي العلاء 1/ 6.
2 شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (مقدّمة أحمد أمين) 1/ 3.
3 شرح التبريزي 2/ 373، وفيه: حَلَفْتَ إنْ لم ... البيت.
4 البديع ص 37.وأكملتُ الأبيات من العمدة 2/ 39، وفيه شرح للاستطراد، قال:" وهو أن يُرى الشاعر أنّه في وصف شيءٍ وهو إنّما يُريد غيرَه، فإن قطع أو رجع إلى ما كان فيه فذلك استطرادًا .. " 2/ 40، وعثمان في العمدة هو ابن إدريس الشّامي.
5 الحدس والإبداع ص36
6 يقول ابن المعتز:" وأوّل من ابتكره السّموأل، وأوّل من سمّاه استطرادًا أبو تمّام" البديع ص ص36 - 37، وهو السموأل بن غريض بن عادياء الأزدي، شاعر جاهلي حكيم، من سكان خيبر، وهو الذي تُنسب إليه قصّة الوفاء مع امرئ القيس الشاعر، وفيه المثل، توفي نحو سنة65 قبل الهجرة، الأعلام 3/ 140.
7قال ابن رشيق:" .. فإن قطَعَ أو رجَعَ إلى ما كان فيه فذلك استطراد، وإن تمادى فذلك الخروج، وأكثرُ النّاس يُسمّي الجميع استطرادًا والصّوابُ ما بيّنتُه .. " العمدة2/ 39.
8 المقصود ب"الفكرة" هنا هو قول أبي تمام لمن سألَه: لماذا لا تقول ما يُفهم؟، " وأنتَ لماذا لا تفهم ما يُقال؟؟ ".أنظر ص16 من هذا البحث
9 الفن ومذاهبه ص240
10 تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص60.
11العمدة 1/ 114 - 115
¥