الفقيه والعالم والمؤرخ (محمد بن فتوح المعروف ب الحُميدي الاندلسي ثم البغدادي تلميذ الامام ابن حزم الظاهري وتلميذ الحافظ الخطيب البغدادي المولود في الاندلس سنة 420 هجرية والمتوفي في بغداد سنة 488 هجرية. قال عنه الامير ابن ماكولا: لم ار مثل صديقنا الحُميدي في نزاهته وعفته وورعه , وتشاغله بالعلم , صنف (تاريخ الاندلس) وقال ابراهيم السلمسي: لم تر عيناي مثل الحُميدي في فضله ونبله , وغزارة علمه , وحرصه على نشر العلم. وقال يحيى ابن البناء: كان الحُميدي من اجتهاده: ينسخ بالليل في الحر , فكان يجلس في اجانة ماء – وهي اناء يغتسل فيه الثياب – يتبرد به. انتهى ورحم الله تعالى القائل: ولا خير فيمن عاقهُ الحرُ والبردُ.

فهذا نموذج رائع واليك النموذج الثاني الذي هو كما قال كما قال ابو غدة: هو من اعجب الاخبار واغربها ولنستمع الى احداثها , فقد وقعت لعالم اندلسي ممن رحلوا من الاندلس الى المشرق , وقد رحل العالم من الاندلس الى المشرق على قدميه , ليلقى اماما من ائمته فأخذ عنه العلم , ولكنه حين وصل وجده محبوسا ممنوعا عن الناس فتلطف وتحيل حتى لقيه فأخذ العلم عنه , بصورة لاتخطر على البال لولا وقوعها والتاريخ ابو العجائب والغرائب. ذلكم العالم هو – الامام ابو عبد الرحمن بقي ُ بن مخلد الاندلسي الحافظ – ولد سنة 201 هجرية وتوفي سنة 276 هجرية رحمه الله تعالى ,

ورحل الى بغداد – على قدميه وسنه نحو عشرين سنة – وكان جل ّّّّبغيته ملاقاة الامام احمد بن حنبل والاخذ عنه.حُكي عنه انه قال: لما قربت من بغداد اتصل بي خبر المحنة التي دارت على احمد بن حنبل , وأنه ممنوع من الاجتماع اليه والاسماع منه , فاغتممت بذلك غماً شديدا , فاحتللت الموضع , فلم اعرج علي شيء بعد انزال متاعي في بيت اكتريته في بعض الفنادق , أن اتيت المسجد الجامع الكبير , وانا اريد ان اجلس الى الحلق وأسمع ما يتذاكرونه. فدُفِعتُ الى حلقة نبيلة , فاذا برجل يكشف عن الرجال , فيُضعف ويقوى , فقلت من هذا؟ لمن كان قربي , فقال هذا يحيى بن معين , فرأيت فرجة قد انفرجت قربه فقمت اليه فقلت له: يا أبا زكريا رحمك الله , رجل غريب نائي الدار , أردت السؤال فلا تستخفني , فقال: قل , فسألته عن بعض من لقيت من اهل الحديث فبعضا زكى وبعضا جرح. فسألته في اخر السؤال عن هشام بن عمار , وكنت قد اكثرت من الاخذ منه , فقال: ابو الوليد هشام بن عمار: صاحب صلاة دمشقي ثقة وفوق الثقة , لو كان تحت ردائه كبر او تقلد كبرا ما ضره لخيره وفضله , فصاح اهل الحلقة: يكفيك رحمة الله عليك , غيرك له سؤال. فقلت وانا واقف على قدمي: أكشفك (بمعنى اسألك) عن رجل واحد: احمد بن حنيل؟ فنظر الي يحيى بن معين كالمتعجب وقال لي: ومثلنا نحن يكشف عن احمد بن حنبل؟ ان ذاك امام المسلمين وخيرهم وفاضلهم. ثم خرجت استدل على منزل احمد بن حنبل , فددلت عليه فقرعتُ بابه فخرج الي وفتح الباب , فنظر الى رجل لم يعرفه , فقلت: يا ابا عبدالله , رجل غريب الدار هذا اول دخولي هذا البلد , وانا طالب حديث ومقيد سنة – اي جامع سنة – ولم تكن رحلتي الا اليك , فقال لي: ادخل الاسطوان – يعني به الممر الى داخل الدار – ولا تقع عليك عين. فقال لي: واين موضعك؟ قلت: المغرب الاقصى , فقال لي: افريقية؟ فقلت ابعد من ذلك – اجوز من بلدي البحر الى افريقية – الاندلس , فقال: ان موضعك لبعيد , وما كان شيء احب الي من ان احسن عون مثلك على مطلبه , غير اني في حيني هذا ممتحن بما لعله قد بلغك , فقلت له: بلى قد بلغني وانا قريب من بلدك مقبل نحوك. فقلت: ابا عبدالله هذا اول دخولي , وانا مجهول العين عندكم فاذا اذنت لي ان اتي في كل يوم في زي السؤال , فاقول عند باب الدار ما يقولونه , فتخرج الى هذا الموضع , فلو لم تحدثني في كل يوم الا بحديث واحد لكان فيه كفاية , فقال: نعم , على شرط ان لاتظهر في الحلق ولا عند اصحاب الحديث , فقلت لك شرطك. فكنت اخذ منه عوداً بيدي , والف راسي بخرقة واجعل كاغدي – اي ورقي – ودواتي في كمي , ثم اتي بابه فأصيح: الاجر رحمكم الله. والسؤال هنالك كذلك فيخرج الي ويغلق باب الدار ويحدثني بالحديثين والثلاثة والاكثر , حتى اجتمع لي نحو من ثلاث مئة حديث. فالتزمت ذلك حتى مات الممتحن

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015