إنّما يصل إلى هذه المراتب من وطّن نفسه الصبر و أسكنه حبة قلبه و ترك غيره للجوار، حتى صارت اللذات كلها لو جمعت لم تعن له شيئا في مقابل لذة الطلب، و قد قال أحدهم كاشفاً هذا المعنى بأجلى ممّا قلت، و بأحلى ممّا سبكت:

سهري لتنقيح العلوم ألذ لي ... من وصل غانية و طيب عناقِ

و صرير أقلامي على صفحاتها ... أحلى من الدوكاء للعشاقِ

وألذ من نقر الفتاة لدفها ... نقري لألقي الرمل عن أوراقي

وتمايلي طربا لحل عويصة ... في الدرس أشهى من مدامة ساقِ

يا من يحاول بالأماني رتبتي ... كم بين مستفل وآخر راقي

أأبيت سهران الدجى وتبيته ... نوما و تبغي بعد ذاك لحاقي

4أبو يوسف والعلم حال الاحتضار

روى القاضي إبراهيم بن الجراح الكوفي ـ و كان تلميذا لأبي يوسف ـ قال: " مرض أبو يوسف، فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟ قلت: في مثل هذه الحالة؟ قال: لابأس بذلك، ندرس لعله ينجو به ناج.

ثم قال: ياإبراهيم؛ أيما أفضل في رمي الجمار ـ أي في مناسك الحج ـ أن يرميها راكبا أو ماشيا؟ قلت: راكبا. قال: أخطأت، قلت: ماشيا: قال: أخطأت. قلت: قل فيها يرضى الله عنك.

قال: أمّا ما كان يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه ماشيا، وأمّا ما كان لا يوقف عنده؛ فالأفضل أن يرميه راكبا. ثم قمت من عنده، فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه، و إذا هو قد مات رحمة الله عليه ".

5 ومن تلكم العبر ما روي عن الطبري رحمه الله قبل موته

فلقد روى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات أنّه كان بحضرة أبي جعفر الطبري رحمه الله قبل موته، و توفّي بعد ساعة أو أقلّ منها، فذكر له هذا دعاء مأثور عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة و صحيفة فكتبه، فقيل له: أفي هذه الحال؟ فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى الممات" (قيمة الزمن 44)

وليعلم اخوتي أن ما كان من منحى أبي يوسف والطبري كان سبيلا لكثير من العلماء

فيروى عن ابن مالك ـ إمام النحو ـ رحمه الله أنّه بلغ من اعتنائه بالعلم حرصه على حفظ عدّة أبيات ـ حدّها بعضهم بثمانية ـ في يوم موته، لقّنه إياها ابنه (قيمة الزمن71)

أولئك أقوام شيّد الله فخرهم … فما فوقه فخر و إن عظم الفخر

قال الأخ أبو ابراهيم

على المؤمن أن يتيقّن أنّ الأمة لا ينفعها طويل اللسان قصير الرأي، و لكن ينفعها حَضَنة العلم و عصبة الفهم و الحلم، ممّن هِجِّيراه في يومه و ليلته:" ربِّ زدني علما".

والله الموفق والمعين

وهو الهادي الى سواء السبيل

وصلى الله وسلم على نبينا محمد

ـ[أبو سلمان الجزائري]ــــــــ[21 - Jul-2009, صباحاً 03:26]ـ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

نتمم ما ابتدأناه من ذكر بعض السير لأسلافنا علها توقظ الهمم وتكون نصرا لنا في الدنيا وذخرا في الآخرة

والله الموفق

ونسلط الضوء في هذه الأجزاء المعدودة التي سأضعها بين أيديكم بحول الله على ما مضمونه

.لذة التعبد عند السَّلف

ونبتدئ بمن أنار الله به العقول وأيقظ به العزائم بسيد المرسلين , وإمام المتقين , وخاتم النبيين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , الذي ما اكتحلت العيون بمثل رؤيته , ولا شرفت النفوس بمثل صحبته , إِنْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا.

.وَعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ فِي قَصَصِهِ يَذْكُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ - يَعْنِي بِذَاكَ ابْنَ رَوَاحَةَ - قَالَ:

وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو ii كِتَابَهُ

إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ من الْفَجْرِ سَاطِعُ

أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى ii فَقُلُوبُنَا

بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ ii فِرَاشِهِ

إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ ii الْمَضَاجِعُ

بل إن شئت أن تراه قائمًا , أو راكعًا , أو ساجدًا , أو ذاكرًا , في أي ساعة من ليل أو نهار وجدته صلى الله عليه وسلم بأمر الله قائمًا , ولعبادة الله ملازمًا , فقد كان عمله صلى الله عليه وسلم ديمة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015