قد بدأنا أخي ونسير في الكتاب والحمد لله. فابدأ وإن شاء الله نتقابل قريبا فور انتهاء الباب الأول، وجزاك الله خيرا على كلامك الحسن.

ـ[صالح الجسار]ــــــــ[19 - صلى الله عليه وسلمpr-2010, مساء 01:39]ـ

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله, أما بعد:

قال ابن قتيبة- رحمه الله- (ص27 - 28):

ومن ذلك (العِرْضُ) يذهب الناس إلى أنه سَلَفُ الرجل من آبائه وأمهاته وأن القائل إذا قال (شَتَمَ عرضي فلان) إنما يريد شتم آبائي وأمهاتي وأهْلَ بيتي وليس كذلك إنما عِرْض الرجل نفسُه ومَنْ شتم عِرْضَ رجل فإنما ذكره في نفسه بالسوء ومنه قول النبيّ في أهل الجنة (لا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوَّطون إنما هو رَقَ يخرج من أعراضهم مثل المِسْكِ) يريد يجري من أبدانهم ومنه قول أبي الدَّرْداء (أقْرِض من عِرضك ليوم فقرك) يريد مَن شتمك فلا تشتمه ومن ذكرك بسوء فلا تذكره ودَعْ ذلك عليه قَرْضاً لك ليوم القصاص والجزاء ولم يرد أقرض عرضك من أبيك وأمك وأسلافك لأن شَتْمَ هؤلاء ليس إليه التحليلُ منه وقال ابن عُيَيْنَة: لو أن رجلا أصاب من عرض رجل شيئاً ثم تَوَرَّعَ فجاء إلى ورثته أو إلى جميع أهل الأرض فأحَلّوه ما كان في حلٍّ ولو أصاب من ماله شيئاً ثم دفعه إلى ورثته لكنا نرى ذلك كفارة له فعِرْضُ الرجل أشد من ماله قال حسان بن ثابت الأنصاري:

هَجَوْتَ محمَّدًا فأجَبْتُ عَنْهُ***** وعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ

فإنَّ أَبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي***** لِعِرْضِ محمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

أراد فإن أبي وجَدَّي ونفسي وقاء لنفس محمد ومما يزيد في وضوح هذا حديثٌ حدَّثنيه الزيادي عن حَمَّاد بن زيد عن هشام عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَيَعْجِزُ أحدكم أنْ يَكونَ كأبي ضَمْضَمٍ كان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني قد تصدَّقْتُ بِعِرْضِي على عِبادك) اهـ.

وقال أَبُو بكْرِ بنُ الأَنْبَارِيّ: وما ذَهَبَ إِلَيْه ابْنُ قُتَيْبَةَ غَلَطٌ، دَلَّ على ذلِكَ قَوْلُ مِسْكِينٍ الدَّرامِيّ:

رُبَّ مَهْزُولٍ سَمِينٌ عِرْضُه ***** وسَمِينِ الجِسْمِ مَهْزُولُ الحَسَبْ

فلو كانَ العِرْضُ البَدَنَ والجِسْمَ على مَا ادَّعَى لم يَقُل مَا قَالَ، إِذْ كانَ مُسْتَحِيلاً للقائِلِ أَنْ يَقُولَ: رُبَّ مَهْزُولٍ سَمِينٌ جِسْمُه، لأَنَّه مُنَاقَضَةٌ، وإِنَّمَا أَرادَ: رُبَّ مَهْزُولٍ جِسْمَه كَرِيمَةٌ آبَاؤُه، ويَدُلُّ لِذلِك أَيْضاً قَولُه صلَّى اللهُ عَليْه وسَلَّم: دَمُه وعِرْضُه فلَوْ كان العِرْضُ هو النَّفْس لكان دَمُهُ كافِياً من قَوْلِهِ عِرْضُه، لأَنَّ الدَّمَ يُرَادُ به ذَهَابُ النَّفْسِ. تاج العروس من جواهر القاموس (18/ 396).

قال أبو العباس (ثعلب): العِرْضِ مَوْضِعُ المَدْحِ والذَّمِّ من الإِنسانِ وهي الأحوالُ التي يَرْتَفِعُ بِها أو يَسْقُطُ. اهـ. غريب الحديث لابن الجوزي (2/ 82).

وقال أَبُو العَبَّاس (ثعلب) أيضًا: إِذا ذُكِرَ عِرْضُ فُلانٍ فمَعْنَاه أُمُورُهُ الَّتي يَرْتَفِعُ أَو يَسْقُطُ بذِكْرِهَا من جِهَتِهَا بحَمْدٍ أَو بذَمٍّ فيجُوزُ أَنْ يكُونَ أُموراً يُوصَفُ بها هو دُونَ أَسْلافِه، ويَجُوزُ أَن تُذكَر أَسْلافَه لِتَلْحَقَه النقيصَةُ بعَيْبِهم، لا خِلافَ بَيْنَ أَهْلِ اللّغَةِ إِلاَّ ما ذَكَرَهُ ابنُ قُتَيْبَةَ من إِنْكَارِه أَن يَكُون العِرْضُ الأَسْلافَ والآباءَ. اهـ تاج العروس من جواهر القاموس (18/ 396 - 397).

قال صاحب كتاب تاج العروس بعد ذكره قول ابن قتيبة وأقوال مُخالفيه: وقد احْتَجَّ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْن بِمَا أَيَّدَ به كَلامَهُ. اهـ تاج العروس (18/ 397)

وقال ابن حجر رحمه الله: العِرْض وهو موضع المدح والذم من الشخص أعم من أن يكون في نفسه أو نسبه أو حسبه وقال ابن قتيبة عرض الرجل بدنه ونفسه لا غير ومنه استبرأ لدينه وعرضه قلت ولا حجة فيه لما ادعاه من الحصر. اهـ فتح الباري (10/ 464).

قلتُ: فعلى هذا لا نقول بأن لفظ العِرض يُراد به النفس فقط وإنما قد يُراد به النفس وقد يُراد به غيرها, فيتغير معنى العِرْض حسب مناسبة الجملة وسياق الكلام, أما ما قاله ابن قتيبة من أنه لا يُطلق لفظ العِرض إلا على النفس فهذا غلط, وما ذكر أبو بكر الأنباري من تخطئة ابن قتيبة غلط أيضًا فقد وقع بما وقع به ابن قتيبة, ولكن نقول كما قال ابن الأَثير: العِرْضُ موضع المَدْحِ والذَّمِّ من الإِنسان سواء كان في نَفْسِه أَو سَلَفِه أَو من يلزمه أَمره. النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 439).

وكما قال ابن حجر رحمه الله تعالى في كلامه المتقدم, فهذا هو القول الوسط والصحيح في هذه المسألة. والله أعلم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015