حين نقلت نظرية النحو الوظيفي إلى المغرب ثم العالم العربي لم يقم الأستاذ أحمد المتوكل باستنباتها فقط بل أصّلها ولم يؤصّلها فقط بل أسهم في تطويرها. وجوانب الإسهام كثيرة جدا نجدها في الوظائف التداولية ونجدها في القوة الإنجازية التي تواكب الجمل ونجدها كذلك في إخراج نظرية النحو الوظيفي من حيز الجملة إلى حيز الخطاب. ومن أهم إسهامات الأستاذ المتوكل في نظرية النحو الوظيفي هي أنه كان سبّاقاً إلى نقل اللسانيات من الوصف اللغوي المحض إلى القطاعات الاجتماعية والاقتصادية فلم يسبقه أحد إلى هذا داخل نظرية النحو الوظيفي نفسها. وفي هذا المضمار دافع الأستاذ المتوكل عن فكرة أن النظرية اللسانية - وظيفية كانت أم غير وظيفية - يجب أن تحرز كفايتين اثنتين، كفاية لغوية وكفاية إجرائية، كفاية لغوية تحرزها حين تستشرف مستوى الوصف الملائم لظواهر اللغات البشرية، وكفاية إجرائية تحرزها حين تستطيع نفس النظرية - لا نظرية أخرى- أن تطبَّق في مجالات اجتماعية اقتصادية كالترجمة وتحليل النصوص والأمراض النفسية المسببة للاضطرابات اللغوية. وفي مجال تعليم اللغات قدم الأستاذ المتوكل فكرة نظنها من الأفكار التي لم يُسْبَق إليها وهي أن تعليم اللغات يجب أن يتم عن طريق الوظائف لا عن طريق البنيات، وهو نفس المبدأ الذي طبّقه في معالجته لترجمة النصوص حيث أثبت أن الترجمة لا تكون بين عبارتين بل تكون بين بنيتين تحتيتين لعبارة مصدر وعبارة هدف. وبالنسبة للاضطرابات اللغوية فقد أشرف الأستاذ المتوكل على بحوث انتهى فيها الباحثون إلى أن النحو الوظيفي يمكّن من رصد الاضطرابات الثاوية خلف الاضطرابات اللغوية وجُلّ هذه الاضطرابات اضطرابات تداولية تمس الوظائف التداولية والقوة الإنجازية للعبارة اللغوية وتناسق الخطاب الذي يكون عن طريق المحافظة على نفس المحور إلى غير ذلك. وقد وصل الباحثون في هذا المجال إلى نتائج مرضية سيكون لها دور كبير في مساعدة الأطباء النفسيين في معالجتهم للأمراض العقلية والنفسية على السواء.
في محور اللسانيات وعلاقتها بالفكر اللغوي العربي القديم، انطلق الأستاذ المتوكل من مبدأ أنه لا قطيعة معرفية تفصل التراث - أيّاً كان نوعه - عن الدرس اللساني الحديث - كما كان يعتقد - ومن هذا المبدأ وضع منهجية علمية واضحة المعالم لإعادة قراءة التراث اللغوي العربي القديم. من مبادئ هذه المنهجية أن الفكر اللغوي العربي القديم كلٌّ لا يتجزأ، نحو وصرف وبلاغة وأصول فقه وتفسير إلى غير ذلك. هذه العلوم –كما يرى الأستاذ المتوكل- لم تكن قط منفصلة، بل كانت آوية إلى أساس معرفي واحد، وأن هذا الأساس المعرفي أساس وظيفي، ولم يكن ذلك صدفة، حيث إن المفكرين اللغويين العرب القدماء درسوا اللغة انطلاقاً من نصوص وليس من جمل صورية منفردة، وكانت هذه المقاربة مقاربة وظيفية في أساسها تربط بنية اللغة معجماً وصرفاً وتركيباً بوظيفة التواصل. ومن معالم هذه المنهجية كذلك أن الفكر اللغوي العربي القديم يمكن أن يتخذ أحد أوضاع ثلاثة إمّا أن يُعدّ حقبة تاريخية لفكر وظيفي معين وامتداده في البحث اللساني الحديث وإمّا أن يكون مرجعا لهذا الدرس اللساني الوظيفي الحديث يحتج به عند الحاجة وإما أن يكون مصدراً تمتح منه آراء ومفاهيم وتحليلات وذلك ما قام به، مثلا، في كتابه "المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي .. الأصول والامتداد (منشورات دار الأمان الرباط، 2006) ".
لقد أنفق الأستاذ المتوكل على مشروعه بسخاء قل نظيره، فقد تفرغ طيلة أزيد من ثلاثين عاما لخدمة هذا المشروع اللساني العربي الذي يعد من أنضج المشاريع اللسانية العربية الحديثة وأكملها لكونه مشروعا واضح المعالم من حيث موضوعه وأهدافه وأداوته المفاهيمية والإجرائية، حتى إن بعض اللسانيين المعاصرين اعتبر مشروع الأستاذ أحمد المتوكل بمثابة رد الاعتبار للفكر اللساني العربي القديم.
----------
منقول من مدونة "اماطين"
http://mlitan.blogspot.com/
ـ[اسامةلعيد]ــــــــ[18 - Mar-2010, صباحاً 11:17]ـ
جزاك الله خيرا
ـ[إحسان فؤاد الفؤادي]ــــــــ[28 - Nov-2010, مساء 11:50]ـ
مشكور مولانا الجليل على إسعاف الطلب و دمتم للعلم ناشرين.