وتدل عليه نصوص العلماء فقد قال الآلوسي: (وقوله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) ([18])، وذكر بعض المحققين لهذا المقام أن التدريج ليس هو التكثير بل الفعل شيئا فشيئا كما في تسلسل والألفاظ لابد فيها من ذلك فصيغة (نَزَّلَ) تدل عليه والإنزال مطلق لكنه إذا قامت القرينة يراد بالتدريج التنجيم وبالإنزال الذي قد قوبل به خلافه أو المطلق بحسب ما يقتضيه المقام) ([19]).

وقَالَ الرَّاغِب: (الْفَرْق بَيْن الْإِنْزَال وَالتَّنْزِيل فِي وَصْف الْقُرْآن وَالْمَلَائِكَة أَنَّ التَّنْزِيل يَخْتَصّ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يُشِير إِلَى إِنْزَاله مُتَفَرِّقًا وَمَرَّة بَعْد أُخْرَى، وَالْإِنْزَال أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ) ([20])

إذا عُلِمَ هذا فليُعلم أنّ ما تقدّم سطرته آخذا في الاعتبار ما يأتي:

1. صيغتا (أفعل)، و (فَعَّل) لهما معانٍ كثيرة في كلام العرب، وما أوردته ـ هنا ـ لا يدل على أنه هو المتبادر في كل سياق من سياقات العربية، فلكل سياق معنىً يقتضيه.

2. (أَنْزَلَ) و (نَزَّلَ) ما ذكرته من التفريق بينهما ـ هنا ـ إنما أوردته لما له من أصلٍ في كلام العرب، ولتأييد سياق الآيات التي وردت فيها مسألة نزول الكتب السماوية لهذا التفريق، وكلام أهل العلم يدل على ذلك.

3.ليست كل صيغة من صيغ (أَنْزَلَ) و (نَزَّلَ) في كتاب الله الكريم وكلام العرب يرد فيها مثل هذا التفريق؛ لأن السياقات التي ترد فيها لا يلزم أن تدل على المعنى الذي أثبتنا فيه التفريق، بل قد تدل على معانٍ أخر.

4.ذكرت أن القرآن نزل على سول الله جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ومفرقا منجما في ثلاث وعشرين سنة؛ لأنه صريح القرآن، واختيار جماهير أهل العلم، ونُقل الإجماع عليه ([21])، ومِن ثَمّ اقتصرت عليه وإن كانت هناك أقوال أخر مرجوحة.

5.إذا وردت قراءة أخرى ورد فيها الفعل (أَنْزَلَ) بدلا من (نَزَّلَ) أو العكس فذلك لا يعارض ما تقدم؛ لأن القراءات يفسر بعضها بعضا، وَلأن سياق الآية دال على ما يقتضيه معناها.

6.ما ذكره العلماء من التفريق بين (أَفْعَل)، و (فَعَّل) إنما هو من باب الغالب تبعا لقاعدة كل زيادة في المبنى يتبعها زيادة في المعنى، ولأن الترادف التام تأباه قواعد العربية؛ لما ينشأ عنه من التكرار الذي لا وجه، ومع ذلك فلكل قاعدة شاردة وواردة ,

والله تعالى أعلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه تسليما كثيرا

حرره طالب يوم الأحد الموافق 28/ 09 /2008 ـ 29/ 09 /2008

([1]) ـ[المائدة: 44].

([2]) ـ[المائدة: 47].

([3]) ـ[البقرة: 185]

([4]) ـ[الدخان: 3]

([5]) ـ[القدر: 1]

([6]) ـ[الفرقان: 32]

([7]) ـ[الفرقان: 32]

([8]) ـ تفسير ابن كثير ج3/ص318

([9]) ـ[التوبة: 64]

([10]) ـ[البقرة: 105]

([11]) ـ[الإسراء: 106]

([12]) ـ[آل عمران: 3]

([13]) ـ[النساء: 136]

([14]) ـ[النساء: 136]

([15]) ـ فتح الباري ج13/ص464

([16]) ـ[البقرة: 4]

([17]) ـ ينظر تفسير ابن أبي حاتم ج1/ص311، وتفسير الطبري ج2/ص146، وتفسير ابن كثير ج1/ص217، والصحيح المسبور من التفسير بالمأثور: ج1/ص288.

([18]) ـ[النساء: 140]

([19]) ـ روح المعاني ج3/ص76

([20]) ـ المفردات في غريب القرآن:ص489

([21]) ـ الإتقان في علوم القرآن ج1/ص118

ـ[ذاكرة قلم]ــــــــ[03 - عز وجلec-2008, مساء 07:25]ـ

جزاك الله خيرا أخي الكريم على هذه الفائدة،

لكن يبدو أن الإمام أبا حيان الأندلسي لا يتفق مع القائلين بهذا التفريق:

ومن كلامه في ذلك:

(ونزلنا التضعيف فيه هنا للنقل، وهو المرادف لهمزة النقل. ويدل على مرادفتهما في هذه الآية قراءة يزيد بن قطيب مما أنزلنا بالهمزة، وليس التضعيف هنا دالاً على نزوله منجماً في أوقات مختلفة، خلافاً للزمخشري، قال: فإن قلت لم قيل: مما نزلنا على لفظ التنزيل دون الإنزال؟ قلت: لأن المراد النزول على التدريج والتنجيم، وهو من مجازه لمكان التحدي.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015