ـ[حامد الأنصاري]ــــــــ[28 - Sep-2008, صباحاً 02:20]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه
أما بعد فإن المسلمين ينهلون من معين فضل العشر الأواخر من رمضان التي نزل فيها القرآن الكريم، ومِن ثَمَّ فمِن المناسب أن يُتحدَّث في هذه العشر عن ألفاظ نزول الكتب السماوية السابقة والفرق بينها وبين نزول القرآن الكريم من خلال فعلي (أَنْزَلَ) بزنة (أفعل)، و (نَزَّلَ) بزنة (فَعَّل).
فأقول مستعينا بالله علماء العربية يقولون: كل زيادة في المبنى تتبعها زيادة في المعنى، ومَن تأمل كلام العرب بان له ذلك، فمن شواهد ذلك ألفاظ فعل نزول الكتب السماوية، فمرة ترد بزنة: (أفعل)، ومرة ترد بزنة: (فَعَّل)، ولكل من الصيغتين معنى زائداً يخالف معنى الصيغة الأخرى، وإن اتفقتا في المعنى الأصلي للنزول؛ فما كان بزنة (أفعل) يدل على النزول دفعة واحدة، وما كان بزنة (فَعَّل) يدل على تكرار النزول وتتابعه، لأن صيغة (أَفْعَل) من معانيها في العربية الدلالة على حدوث الفعل دفعة واحدة، وصيغة (فَعَّل) تدل على تكرار حدوث الفعل، فقولك مثلا: (أعلمت فلانا المسألة) يفيد أنك أفدته به مرة واحدة، بينما قولك: (علّمت فلانا الفقه) يفيد أنك أفدته به على مراحل.
فصيغة (أَنْزَلَ) في الآيات الآتية تدل نزول الكتب السماوية السابقة جملة واحدة، قال الله عزوجل في نزول التوراة على موسى ـ عليه السلام ـ: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ([1])،
وقال الله تبارك تعالى في نزول الإنجيل على عيسى ـ عليه السلام ـ: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ([2]).
وقال الله سبحانه في نزول القرآن جملة على نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ([3]) وبين في آية أخرى أنه أنزله في ليلة مباركة من ليالي رمضان فقال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) ([4])، وبين في سورة القدر أنها ليلة القدر فقال عز شانه: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) ([5]).
ويعضد كون الكتب السماوية السابقة نزلت جملة واحدة اعتراض الَّذِينَ كَفَرُوا على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نزول القرآن مفرقا خلافا للكتب السابقة، قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) ([6]).
¥