وبعد النظر في كتب الاقدمين وارئهم حول هذا الموضوع، ظهر أن في استخدام المصطلح خلط، وتعدد، في تعريفه، وكيفية وقوعه، والتعليل له، وأظهر ما يكون ذلك في بحث الاقدمين لظاهرة الابدال الصوتي مع ظاهرة الابدال الصوتي ولمزيد من الايضاح في هذا الامر نفرد في الاسطر التالية مساحة للحديث عن الفرق بين الابدال الصرفي والابدال الصوتي
أولا: الابدال الصرفي morphological substitution :
يقول الشيخ السيوطي رحمه الله: ((الابدال قسمان شائع وغيره، فغير الشائع وقع في مل حرف الا الالف، ألف فيه أئمة اللغة كتبا، منهم يعقوب بن السكيت، وأبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي وفي كتابي المزهر منه نوع حافل، والشائع الضروري في التصريف)) (14)
ويقول العلامة بن سيدة رحمه الله ((وأذكر الان شيئا من المعاقبة، وأري كيف تدخل الياء علي الواو والواو علي الياءمن غير علة إما لمعاقبة عند القبيلة الواحدة من العرب، وإما لافتراق القبيلتين في اللغتين، فأما ما دخلت فيه الواو علي الياء والياء علي الواو لعلة فلا حاجة بنا إلي ذكره في هذا الكتاب لأنه قانون من قوانين التصريف)) (15)
لو لاحظنا في كلام كل من السيوطي وابن سيدة نجدهما يفرقان بشكل واضح بين نوعين من الابدال عبر كل واحد منهما بطريقته الخاصة ليصل إلي المراد وهو التفريق بين الابدال الصوتي والابدال الصرفي، وهذا لا مشكلة فيه، لكن المشكلة في كلام من لا يفرق بينهما كابن الحاجب مثلا الذي يقول: ((الابدال حرف مكان حرف غيره ويعرف بأمثلة اشتقاقه كتراث وأجوه زبقلة استعماله كالثعالي وبكونه فرعا والحرف زائدكضويرب، وبكونه فرعا وهو أصل كمدية وبلزوم بناء مجهول نحو هراق واصطبر وادارك)) (16)
واضح في هذا النص الطريقة الاجمالية التي درس بها بن الحاجب الابدال حيث جمع في تعريف بين أكثر من ظاهرة لغوية. ولا شك أن هذا له تاثيره علي الدارس لظاهرة الابدال لان تحديد المصطلح يعتبر البداية لدراسة أي موضوع. وتجدر الاشارة الي ان علماء اللغة الاقدمين لم يستحدمموا هذه التسمية (الابدال الصرفي) فيما اطلعت عليه من مراجع بل هي مصطلح شائع عند المحدثين، وقد عرفوه بالاتي: ((ان تقيم مكان حروف معينة حروفا أخري بغية تيسير اللفظ وتسهيله، أو الوصول بالكلمة الي الهيئة التي يشيع استعمالها كإبدال الواو ألفا في نحو صام أصلها (صوم) أو كإبدال الطاء عند التاء في (اصطنع) أصلها (استنع))) (17).
وفي الحقيقة لابد من التفريق الواضح بين الابدال الصرفي والابدال الصوتي الذي يسميه بعض العلماء الابدال اللغوي، وقد اثرت استخدام عبارة الابدال الصوتي لان كثيرا من الدراسات الحديثة جرت علي ذلك ولانها أكثر تادية للمعني.
هذا الابدال الصوتي سماه بعض القدماء الابدال غير المطرد، أو الابدال النادر أو الابدال الموقوف علي السماع، كما استخدمت ألفاظ كثيرة للدلالة علي هذه الظاهرة ((فقد شاع البدل والمبدول والقلب والمقلوب والمحول والمضارعة والتعاقب والمعاقبة والنظائر والاشتقاق الكبير والاكبر)) (18)
هذا التعدد في الالفاظ يدل علي تناول يدل علي تناول علماء اللغة لظاهرة الابدال بصورة واسعة لكن الغريب ان كثيرا من هذه الالفاظ لها دلالة محددة علي ظواهر لغوية أخري، فالقلب مثلا هو ((عبارة عن تقديم أو تأخير أحد حروف اللفظ الواحد مع حفظ معناه أو تغيره تغيرا طفيفا)) (19)
وهو واقع في اللغة حتي قال ابن فارس أنه من سنن العرب في كلامها، وكذلك كل الالفاظ التي أطلقت علي ظاهرة الابدال لها دلالتها الحاصة بها، ولا يسمح المقام بالتفصيل في ذلك، لكن من المهم أن نبحث لماذا كل هذه الاسماء؟
الذي دعا الي ذلك هو أن كثيرا من العلماء الذين تناولوا ظاهرة الابدال استخدموا الكلمة علي المعني اللغوي والاصطلاحي علي السواء، وينبني علي هذا الكلام ضرورة الحديث عن ظاهرة الابدال الصوتي وعلاقتها بظواهر لغوية أخري وهذا ما سناصله في الرسالة القادمة بإذن الله.
ـ[الدكتور علي العبيدي]ــــــــ[04 - Jul-2010, صباحاً 01:06]ـ
ربما من المصادر المهمة التي كتبت حديثا عن الابدال، هو كتاب الدكتور أحمد طه حسانين سلطان المدرس في الازهر، وكتابه الموسوم بـ (مقاييس الاصالة والفرعية في الابدال لابن السكيت)