ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[09 - Feb-2008, صباحاً 07:07]ـ
أخي الكريم
إذا كان المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له، ألا يكون ذلك سببا في جواز نفيه؟
لأنك إذا خاطبت محاورك بلفظ معين له حقيقة معروف عنده، فتجوزت أنت عن هذه الحقيقة إلى معنى آخر، فمن الممكن أن يقول لك محاورك: ليس هذا معنى هذه اللفظة؛ لأن حقيقتها كذا وكذا.
والقرينة المانعة ليس كل أحد من الناس ينتبه لها.
وكذلك لا يشترط أن تكون كل القرائن دالة دلالة واضحة على صرف اللفظ عن حقيقته.
وكذلك فصرف اللفظ عن حقيقته لقرينة ليس على إطلاقه حتى لو وجدت العلاقة بينهما؛ لأن العلائق تختلف قوة وضعفا، وقد نختلف أنا وأنت في وجود العلاقة أصلا، ثم نختلف في قوتها.
وعلى أية حال يا أخي الكريم، فمسألة جواز نفي المجاز أو عدم نفيه أنا أراها غير مفيدة في نقش هذا الباب إذا اتفقنا على المعاني المرادة.
لأن الذين يقولون بأن المجاز يجوز نفيه يقصدون أحد أمرين:
- إما أن يقصدوا أنه يجوز نفي حقيقته، وهذا لا نزاع فيه؛ لأن نفي حقيقة اللفظ لا يمنع من إثبات مجاز اللفظ، والمهم هو الاتفاق على مراد المتكلم.
- وإما أن يقصدوا أنه يجوز نفي إطلاقه، وهذا أيضا يمكن أن لا يكون فيه نزاع؛ لأن اللفظ ما صرف عن حقيقته إلا وهو غير مطلق كما هو واضح.
والعرب قد تنفي الحقيقة كما تنفي المجاز، وإنما يكون هذا النفي باعتبار معين، والنفي باعتبار معين لا إشكال فيه، والدليل على ذلك أن بعض آيات القرآن الكريم جاءت مرة بإثبات شيء ومرة بنفيه، ولا تناقض بين الأمرين؛ لأن الإثبات فيها باعتبار والنفي باعتبار آخر، فإذا كان نفي المجاز أيضا باعتبار لم يكن هناك إشكال في نفي المجاز حتى لو كان في القرآن.
ويكون ذلك من الخلاف اللفظي؛ سواء سميناه مجازا أو لم نسمه مجازا، فإذا قال بعض المفسرين مثلا عن {لأبيه آزر} إنه لم يكن أباه، فليس في ذلك إشكال (بغض النظر عن الراجح)؛ لأن هذا المفسر يقصد (ليس أباه الذي ولده) ولا يقصد معارضة الآية.
ومثلا قال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} وقال: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}، فالآية الثانية تثبت الهداية، والأولى تنفيها، ولا يقال إن إحداهما مناقضة للأخرى؛ لأن الإثبات في الثانية باعتبار والنفي في الأولى باعتبار.
فإذا جئت أنت أيضا إلى آية قرآنية ونفيتها باعتبار معين، فهذا قد يقال: لا إشكال فيه، بل هو كثير في كلام هل العلم.
وأيضا قد يقال: إن هذا غير مخصوص بالمجاز، بل هو وارد على الحقيقة أيضا، ولذلك قال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} فنفى الحقيقة وأثبت المجاز.
وقال أيضا: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} فنفى الحقيقة وأثبت المجاز أيضا.
ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عائشة عما بقي من الشاة قالت: (بقي كتفها) فقال: (بقيت إلا كتفها).
وكذلك في حديث المفلس؛ نفي كلام الصحابة عن المفلس وأثبت له تعريفا آخر.
وسواء قلنا إن أحدهما حقيقة والآخر مجاز، أو العكس، ففي الحالين نفيت الحقيقة وأثبت المجاز في أحد اللفظين.
والله تعالى أعلم.
ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[09 - Feb-2008, صباحاً 07:09]ـ
فأرجو أن تلحظ أنك نفيت حقيقة ولم تنف مجازا؛ نفيت حقيقة المطابقة بين الأسد والرجل الشجاع ولم تنف المشابهة بينهما وكلام الشنقيطي رحمه الله مبني على جواز نفي المجاز وليس على جواز نفي الحقيقة وهذا هو جوهر الإشكال.
ليس هذا هو مراد الشنقيطي يا أخي الكريم، ولا مراد أحد ممن قال بأن المجاز يصح نفيه.
راجع المشاركة السابقة.
ـ[علي أحمد عبد الباقي]ــــــــ[09 - Feb-2008, صباحاً 08:00]ـ
أخي الفاضل (لسان العرب).
الحقيقة التي لا مجاز فيها أن هذا ليس فني، وإنما أحببت تنشيط الموضوع فذكرت فهمي.
خليك مع أخينا أبي مالك أكسب لك. (ابتسامة).
ـ[عبدالعزيز بن سعد]ــــــــ[09 - Feb-2008, صباحاً 10:57]ـ
كنت أقرأ على الشيخ رشيد الهندي في أوضح المسالك، فأتى ذكر لبيت فيه مجاز، فذكر كلام الإمام ابن القيم رحمه الله، وقال: من قال من البلاغيين أو أهل اللغة أن المجاز يجوز نفيه؟ ولم أظفر بأحد من علماء البلاغة واللغة الأقدمين من يجيز نفي المجاز ....
كما أن المجاز موجود في جميع اللغات، وهو من محسنات الألفاظ، ونفي وجوده في اللغة اصطلاحي حسب ما يظهر من كلام المختصين، ولعل الشيخ أبا مالك يفيدنا بذلك
ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[09 - Feb-2008, صباحاً 11:00]ـ
ماذا يقصد الشيخ بقوله (الأقدمين)؟؟
ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[09 - Feb-2008, مساء 09:49]ـ
ثم وجدت كلاما للشيخ الشنقيطي يزيل الإشكال؛
فقد قال في مذكرة الأصول:
((ذلك أن جميع القائلين بالمجاز متفقون على أن من الفوارق بينه وبين الحقيقة أن المجاز يجوز نفيه باعتبار الحقيقة ... )).
ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[12 - Feb-2008, صباحاً 12:21]ـ
كلام الأقدمين فيه إشارة إلى أن المجاز يصح نفيه باعتبار كما سبق ذكره؛ ولكن المشكلة أن المتأخرين ينظرون إلى قواعد أهل العلم على أنها نصوص معصومة، وهذا بلاء، فالذين قعدوا هذه القاعدة (المجاز يصح نفيه) قصدوا ما يلي:
إذا افترضنا أن الحقيقة لا تحتاج إلى قرينة وأن المجاز يحتاج إلى قرينة، فهذا معناه أن نفي الحقيقة لا يحتاج إلى قرينة ونفي المجاز يحتاج إلى قرينة، فإذا كان النفي مجردا عن القرينة دل ذلك على أن المنفي هو الحقيقة لا المجاز.
وقد وقفت على مثال نفيس في هذا الباب ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ من رواية علي بن أبي طلحة وهي أصح أسانيد التفسير عن ابن عباس كما هو معروف عند أهل هذا الشأن.
قال في قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان}: هذا وعيد من الله لعباده، وليس بالله شغل.
وابن القيم نفسه عندما ناقش مثبتي المجاز في هذه المسألة سلم لهم جواز نفي المجاز باعتبار الحقيقة.
¥