والخريف، كأنها جبال من القطن مندوفاً. فإذا عرض لها برد الزمهرير من فوق غلظ البخار، فإنها تصير ماءاً وانضمت أجزاؤها فصارت قطراً عرض لها الثقل، فأخذت تهوي من أعلى السحاب وتلتئم القطرات الصغار بعضها إلى بعض حتى إذا خرجت من أسفلها صارت قطراً كباراً. فإن عرض لها برد مفرط في طريقها، جمدت وصارت برداً قبل أن تبلغ الأرض، وإن لم تبلغ الأبخرة إلى الهواء البارد، وكانت كثيرة صارت ضباباً، وإن كانت قليلة وتكاثف ببرد الليل ولم تجمد، نزلت صقيعاً< (22).
وفي كتاب الخراج تعرض القاضي أبو يوسف، لعديد من القواعد التي تتعلق بالمياه والتي يمكن أن نعدّها قوانين شرعية تحدد العلاقة بين الماء والأرض والإنسان، منها على سبيل المثال، أن تنفيذ أي منشأة مائية في ملكية خاصة يجب أن يكون بإذن من صاحب الأرض (23).
واشتمل كتاب صورة الأرض لابن حوقل على وصف لبعض المشاريع المائية. فعن سجستان يقول: >وللقرنين ــ وهي مدينة مياه جارية وقني من تحت الأرض كثيرة<، ويذكر عن مكة المكرمة: >وليس بمكة ماء حار إلا شيء أجري إليها من عين كان قد عمل فيها بعض الولاة فاستتم في أيام المقتدر<، وعن مدينة طبريا يقول: >وبها عيون جارية حارة ومستنبطها على نحو فرسخين من المدينة< (24).
كما اهتمت المؤلفات الكبرى في الزراعة والنبات كـ المقنع في الفلاحة للإشبيلي، وكتاب الفلاحة لابن البصال، والفلاحة النبطية لابن وحشية، بطرق إنباط المياه الجوفية وهندستها. ونتوقف عند الزمخشري الذي ولد سنة 467هـ وتوفي سنة 538هـ، فقد وضع كتاباً بعنوان كتاب الأمكنة والمياه والجبال عرف فيه بشكل مختصر بأشهر الآبار والعيون (25).
وقدم البيروني في مؤلفه الآثار الباقية عن القرون الخالية عرضاً علمياً عن المياه الجوفية، فحدد مصدرها وآلية جريانها الجوفي وأشكال وجودها بأسلوب دقيق ورصين قائم على التحليل الفيزيائي في معظم الأحيان، فهو يحدد بشكل قاطع وصريح، أن أصل المياه الجوفية هو (المطر)، حيث يقول: >فأما لما صارت مياه العيون في الشتاء أغزر ... ومن البين أن وقوع الأنداء في الشتاء أكثر منه في الصيف، وفي الجبل أكثر منه في السهل، فإذا وقعت فيها وسال بالسيول غاص الباقي في المجاري التي في تجاويف الجبال وخزن هناك، ثم يأخذ في الخروج من المنافذ التي تسمى العيون ... <، عبر هذا التحليل المنطقي المستند إلى انخفاض درجة الحرارة في الجبال وكون أمطارها أكثر، يوضح البيروني أن المطر له مسلكان، قسم يسلك في مسيلات سطحية، وقسم آخر يتسرب ويتخزن، كمياه جوفية، وهي المياه التي قد تخرج في شكل ينابيع.
ويعلّل البيروني حركة الماء الجوفي بالاستناد إلى مبادئ منها: حركة الماء إلى المركز، والمقصود بهذا بلغة العصر: خضوع الماء للجاذبية الأرضية مما يجعله يسيل آخذاً ميل الأرض، فهو يناقش وينتقد من قال إن: >صعود الماء في أنهار ومجاري مياه كلما تباعدت مع جري الماء تصاعدت< حسب هذا التصور. وفي الواقع أيضاً، قد ينبثق الماء الجوفي، ليس من الموضع الذي تسرب منه، وإنما من مكان بعيد عن هذا الموقع.
ويذكر البيروني أن الآبار على نوعين: إما بالرشح أو تفور بالقعر، ويبدو أن هذين النوعين يسميان حديثاً: الآبار العادية والآبار الارتوازية: >فإن من مياه الآبار ما يجتمع بالرشح من الجوانب فذلك لا يصعد، ويكون مأخذها من المياه القريبة إليها، وسطوح ما يجتمع منها موازية لتلك المياه التي هي مادتها<، هذه هي مادة الآبار العادية، فمياهها لا ترتفع إلى الأعلى، لعدم وجود الضاغط البارومتري، مصدرها طبقة مائية جوفية غير محتجزة، وقد تكون طبقة مائية معلقة تترشح مادتها في جوانب البئر، ويكون مستوى الماء في البئر هو مستوى الماء في الطبقة الجوفية.
¥