هو أبو العباس أحمد بن عبد المنعم الدمنهورى، نسبة إلى دمنهور بمصر (15)، ولد فيها سنة 1101هـ، ونشأ يتيماً ولا وزر له وكان ذكياً فهماً، وفي نفسه طموح وعزم، ووجد في اكتساب العلم والتحلي بحليته ما يخرجه من واقع حاله إلى ما يطمح إليه من الرفعة والمجد والعلم. فنزح إلى الأزهر صغيراً ولم يكفله أحد، واجتهد في تحصيل العلم، واشتد ولعه بالفقه، واجتهد في التعرف على المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، وعني بعلوم الهندسة والمساحة والهيئة (الفلك) والميقات، وصنع المزاول (16) والحساب ... إلخ.
وفي أواخر حياته سنة 1181هـ ولي مشيخة الأزهر ولم تطل مدته فيها، إذ توفي في شوال 1182هـ.
سبب تأليف هذا الكتاب:
التمس تأليف هذا الكتاب من المؤلف الشيخ يوسف بن محمد الزغواني التونسي، وهو فقيه تونسي معروف. والغريب في هذا المطلب هو بعده عن تخصصه، والأمر الطبيعي من مثله أن يطلب منه تأليف كتاب في خاص علمه يزيل إشكالاً، أو يحل عويصاً، أو يفصل مجملاً، وليس كتاباً في علم إنباط المياه.
ويجلو هذا الاستغراب ما علمناه من صلة الرجل بأمير بلاده وما كان يدركه من حاجاته ومطالبه في العمران. وقد كان هذا الأمير (الباي حسين بن علي التركي) مؤسس الإمارة الحسينية بتونس، وإليه نسبتها، كان حفياً بالعمران، جاداً في نشره، وفي طليعة متطلباته هذا الماء ولزوم توفيره وإنشاء الفوارات والسقايات، فبنى المآجل والصهاريج واستكثر من نشره، ومن هنا نشأ اهتمام الشيخ بمطلب الماء، وحرص على التعرف على طرق إنباطه ووسائله ليستعين بها هذا الأمير في نشر العمران والخصب.
محتويات الكتاب:
يتألف هذا الكتاب من مقدمة وبابين وخاتمة.
فأما (المقدمة)، فقد خصها المؤلف بأشياء تتصل بطبيعة موضوع الماء، ففسر الاستنباط لغة واصطلاحاً، وتكلم عن العالم والعناصر الأربعة التي كان القدماء يظنون أن العالم مركب منها، وهي الماء والهواء والنار والتراب، معللاً وشارحاً خواصها ونسبة بعضها إلى بعض، وذكر الرياح الأربع وحدوثها وصفاتها، وبين علاقتها بالمياه في تجفيفها أو زيادتها.
وأما (البابان)، فأولهما في "تعريف المواضع التي فيها ماء، والتي ماؤها قريب، والتي ماؤها بعيد وما يستدل به على ذلك من أمارات ذكرها"، وثانيهما تكلم فيه عن حفر الآبار، وطرائقه، ووسائل معالجته، وختمه بأقوال بعضها من الاعتقاد الباطل بالنجوم والقمر، مما يحكيه المنجمون، وبعض آخر من حكايات أهل الشعوذة. وقد كان الخليق بالمؤلف، إذ شاء أن يذكرها، أن يفندها، ويذكر بطلانها وسخفها كما لمثله بعلمه الواسع وعقله الحصيف أن يفعل (17). وهذان البابان هما لب موضوع الكتاب.
أما الخاتمة فقد ضمنها ثلاثة مباحث: الأول في إيضاح ما تقدم، مستمداً مادته من (عجائب المخلوقات) وغيره، وهو يتعلق بالأرض وطباعها وطبقاتها وما يحيط بها من الماء والهواء، وصفة الماء وأنواعه والأبخرة.
المبحث الثاني في بيان المعمور من الأرض، طوله وعرضه وطول البلد وعرضه، وقسمة الأقاليم إلى سبعة، وأثر الأقاليم في الأبدان والطبائع والأخلاق. والمبحث الثالث عقده لبيان فضل العلم وأهله، فذكر فيه بعض ما تواترت به الآيات والأحاديث والآثار على فضله والحث على تحصيله، كأنه أراد منه أن يحفز همم الأمة إلى اكتسابه لتفيد منه في شؤون دنياها وآخرتها فتعمر الأرض، وتنبط المياه، وتزرع وتغرس ما تتقوت به، وما يمد لها من أسباب الحياة الهانئة، إذ الحكمة تقول: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً<.
في مضمون الكتاب وخاتمته وضع المؤلف صوراً لمهاب الريح وكرة الأرض والأقاليم السبعة وغيرها.
ولا ريب في أن جملة ما تضمنه هذا الكتاب في المقدمة والبابين والخاتمة هو من العلم النافع الذي عني به الفلكيون وعلماء الفلاحة وتداولوه، وظل موضع نظر ودرس واعتبار على مسار رحلة العلم من زمن إلى آخر، ومن أوطان في الشرق إلى أوطان في الغرب، لا تحجزه حدود مغلقة النوافذ، ولا تقيده قيود (18) ... ومع أن الدمنهوري لم يأت بجديد في كتابه، إلا أنه امتاز ببراعته في تلخيص الأصول التي أشارت إلى استنباط المياه، وغدت أصولها في حكم المفقود في زماننا (19) ... يدل تأليف ذلك الكتاب في هذا الزمن المتأخر، فيما تدل عليه جملة معانيه، على مبلغ تعلق علماء الإسلام على تعاقب العصور بعلوم الحياة،
¥