وأهله وبالاً لم يذوقوه من الاستعمار، ووصمات فاجرة لم يجرؤ طغاة الاستعمار على التفوه بها، فعبودية الله توجب على أهلها بغض هؤلاء ومعاملتهم بما تقدم ذكره، باعتبارهم محادين لله ورسوله، ومن يحبهم وينشرح صدره لما يصدر منهم أو يمشي في ركابهم ويخدم أغراضهم، فهو خارج من عبودية الرحمن إلى عبودية الطاغوت، منسلخ من ولاية الله إلى ولايته؛ لأن الله وصف كتابه ودينه بالهدى والنور والشفاء والحق والرحمة والعصمة من الضلال والشقاء، وأنه يهدي للتي هي أقوم، وأن ليس بعده إلا الضلال، فأي محادة لله ورسوله أعظم من عكس هذه الأوصاف الجليلة، والانحراف عن دين الله ونبذ كتابه، والتصريح بعدم صلاحيتهما، بل بضررهما في الحكم والسياسة، كما يتبجح به المثقفون بثقافة استعمارية، فالإسلام وأهله منكوبون بهم نكبة لم يشهدها التاريخ من قبل أبداً، فمن لم يتبرأ منهم ويسعَ لقمعهم وكشف حقائقهم فليس من عبودية الله في شيء فكيف من يركن إليهم ويتقبل ما يصدر عنهم.
الخامس والخمسون: عبودية الله وفق شرعه لا تسمح لأي فرد أو هيئة أو حكومة ما، أن تعمل عملاً مخالفاً لشريعة الله، يبهرج فيه على الناس باسم وطن أو شعب أو قومية أو كيان، أو محاربة استغلال وما إلى ذلك، سواء في التطوير الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي ممايخرج فيه عن حدود الله التي حدها لعباده، فالمعتدي على الله بشيء من ذلك نابذ لهذه الآية وغيرها، وراء ظهره، متأسٍ باليهود والنصارى، الذين هم رؤساء هذه المذاهب، والتصاقه بالعروبة مع مخالفته ما جاء به النبي العربي جناية على العروبة ونزول بها إلى مكان سحيق.
السادس والخمسون: بتحقيق عبودية الله تتحقق المساواة الصحيحة بين أفراد الإنسانية، فيحصل التمييز بين الخبيث والطيب، والمفسد والمصلح، والأمين والخائن، بحيث لا يرقى هذا إلى درجة هذا، ولا ينزل بهذا إلى ذاك، بل يسوي بين الأمين والأمين، وبين الخائن والخائن وبين المصلح والمصلح وبين المفسد والمفسد، وبين المجرم والمجرم، كلٌّ على حسب ما اقترفه وجناه من خير وشر، ومساواة لا تمنع أن يكون فيها صغير وكبير أو فاضل ومفضول في سيرته وعمله، وإنما تمنع انقلاب أوضاع الناس بأن يكون هذا سيداً وهذا عبداً، أو هذا رباً وهذا مربوباً، أو أن تسخر الفوارق المادية لمسخ الطبيعة والقيم الإنسانية، تلك الفوارق التي نقلت الأوغاد أمجاداً، وتهزأ بذوي السؤدد، وتملأ الأرض فسادًا بارتقاء المفسد إلى درجة المصلح والمجرم إلى درجة المحسن، والخبيث إلى رتبة الطيب، كما هي حال من لم يحققوا عبودية الله في هذا الزمان.
السابع والخمسون: بتحقيق عبودية الله يتيسر تحقيق الضمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية في جميع الأحوال والميادين، ويعين على ذلك جريان الأمور على وفق ما ذكرناه سابقاً من المساواة التي لا تتحقق إلا بتقوى الله وانعدام الأنانية والمحسوبية اللتين تفاقم شرهما في هذا الزمان، بحيث لا تحصر الانتخابات للمشورة في أهل الثراء، ولا يفسح المجال في الوظائف والدواوين لأبنائهم من دون أبناء الفقراء، ولا تقتل معلومات قوم ومواهبهم على حساب قوم آخرين، بل تقدر الوجاهات والمناصب بحسب الأعمال والمواهب، ويقمع الجشع وتمحى الأنانية، فتتساوى أقدام الأمة في الأعمال والواجبات، وتتهيأ جميع الوسائل والمعونات لاحتراف العاطلين في طلب الرزق من الأمة فيما بينهما بدافع ديني ابتغاء وجه الله، دون الارتكان على الولاة الذين لو صلحوا لما استطاعوا على الإحاطة بكل شيء والاضطلاع بكل واجب، فالشعور بالمسئولية أمام الله يجب أن يشمل كل أحد تجاه الآخر؛ ليتحقق الضمان الاجتماعي ويكونوا عباد الله إخواناً.
الثامن والخمسون: عبودية الله توجب على أهلها ألا يعيشوا بإيمان أعزل أمام إلحاد مسلح، بل يسعون غاية السعي بكل مجهود؛ ليكونوا أقوياء مسلحين بجميع أنواع الأسلحة الأدبية والمادية والمعنوية؛ ذوي خبرة بفنون الحرب الباردة والكاوية؛ ليدفعوا الإلحاد في أي ثوب ظهر، ويقمعوا أهله باللسان والسنان، ويكسروا أسلحتهم ويفضحوا فريقهم، وإذا برد سلاحهم لسبب من الأسباب وجب ألا تبرد ألسنتهم ولا تجف أقلامهم، وإلا لم يحققوا عبودية الله المنجية لهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وسقطوا وانهزموا أمام كل مبطل.
¥