ثامن عشرها: عبودية الله المرضية تقتضي حسن المعاملة للخالق والمخلوق فيعامل الله ويراقبه حق المراقبة كأنه يراه؛ ليرقى بذلك إلى درجة الإحسان، وينال حظ المحسنين، ويحسن معاملة الخلق أيضاً، بما يجب أن يعاملوه به ليحقق الإيمان، ويكون أسوة صالحة مؤثرة في دعوته، نافعاً لأمته، ويكون كل فرد منها مواطناً صالحاً، فيتحقق لها الوئام والكرامة.
تاسع عشرها: العبودية بمعناها الصحيح تسمو بالذات إلى أشرف الغايات، وتكسب صاحبها عزة معنوية وصلابة في دين الله، بحيث لا يستطيع الولاة أن يشتروه بموائدهم وخلعهم، ولا أن يخضعوه بسياطهم؛ لأنه قوي الإيمان، زكي الجنان، مترفع عن المادة، شعاره شعار الأنبياء: ((اللَّهم لا عيش إلا عيش الآخرة)).
العشرون: القيام بواجب العبودية يحقق لصاحبه الصلة الروحية بالله ورسوله فلا يزحزح عقيدته هديرُ أصحاب القوميات الذين غيروا كلام الله وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، فبدلوا حب الله ورسوله بحب الوطن، وبدلوا تقديس حدود الله وشعائره بتقديس حدود الوطن ومصالحه، حتى تبجحوا بأكل السحت تكثيراً للثروة القومية، وبمسارح اللَّهو ونوادي الإثم والمنكر وبلاجات الخلاعة، زعماً للحضارة الخاطئة المعكوسة الممجوجة من قيح الاستعمار ودمه وصديده، بل حضارته حضارة صحيحة عجنت مع اسم الله ومراقبته، وقامت على أساس الإيمان والطابع الديني المطهر للأخلاق، الحافظ للأموال، المبارك في الأوقات والأعمال.
الحادي والعشرون: تحقيق عبودية الله عز وجل، يتكون منها شعوب وفصائل، أعزة على الكافرين تجدهم أمامهم أشداء في صلابة الحديد، لا تلين لهم قناة مهما بلغوا عددا وعدة، بينما تجدهم أذلة على إخوانهم المؤمنين رحماء بينهم، متسابقين إلى منفعة بعضهم بعضاً، فَهُمُ في ذات الله للمؤمنين كنعمومة الحرير وكالغيث السح الغدق، وعلى أعداء الله شداد غلاظ لا يقبلون صرفاً ولا عدلاً ممن لا يدين دين الحق، وعلى العكس تجد الذين لم يحققوا عبودية الله وفق شرعه يظاهرون النصارى والملاحدة ويتوددون إليهم، ويسخرون بالمسلمين ويرمونهم بكل نقيصة.
الثاني والعشرون: عبودية الله تحقق لمن قام بها الرشد والصلاح والفلاح والوحدة الصحيحة المشبعة بروح المودة والإخاء التام، ومن استنكف عن عبوديته وتنكب عن شريعته فقد سفه نفسه ووقع في خسران مبين وشقاق بعيد، كما نرى أصحاب المبادئ والنظريات المنحرفة عن شرع الله، وقعوا في ذلك وحق عليهم وعيد الله بقوله: ? فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ? [البقرة: 137]، فحصر أحوالهم بالشقاق تارة، وبالسفاهة تارة، وبالخزي تارة، وبالكبت والذلة مرة، فجميع أنواع الوعيد في القرآن متحقق فيهم، ولكنهم يغالطون ويقلبون الحقائق.
الثالث والعشرون: تحقيق العبودية يكون منه معسكر واحد يقف لإعزاز كلمة الله كأنه بنيان مرصوص، فيمضي بمحبة الله ونصرته وتأييده بجند من عنده لاهتدائه بتحقيق العبودية إلى غض النظر عن الخلافات الجزئية، وطهره من الأثرة والأنانية، فهو أعظم حرمة عند الله من السماء التي زينها بالنجوم وحفظها من كل شيطان رجيم.
الرابع والعشرون: للعبادة الصحيحة المطابقة لهدي الله أثر عظيم في تقويم أخلاق القائم بها، وتطهير نفسه من الإعجاب والكبر والسخرية بالغير واحتقاره، والإفك والغيبة والنميمة، كما تزكيها من جميع أنواع الشرك والانصياع إلى المبادئ الوثنية المادية التي ظهرت علينا بأسماء محببة من قومية ووطنية وشيوعية واشتراكية، كعجل بني إسرائيل المصوغ، ولكنها يبدو زيفها بأدنى نقد، ويظهر فسادها وعدم جدواها بأدنى حادثة؛ لأنها لا تحل مشكلة ولا تحرز نصراً إلا بانضمام غيرها إليها.
الخامس والعشرون: من لوازم العبودية ألا يتقدم المسلم بين يدي الله ورسوله بأي تشريع يخالف الكتاب والسنة، مهما كان وحيث كان، ولا يقبل ذلك من أحد ولا يقر أحداً عليه، بل ينكره بحسب استطاعته ويتقرب إلى الله ببغض صاحبه وتكريس جهوده للرد عليه ومعارضته بشتى الطرق والأساليب، نصرة لله ورسوله دون مبالاة بالدنيا وزينتها، فإن من الإيمان الفرار بالدين من الفتن.
السادس والعشرون: من لوازم العبودية ودلائل إخلاصها القيام بتبليغ الدعوة الإسلامية في سائر الآفاق بحسب استطاعته وتفهيم كتاب الله لأسرته وعشيرته، كي يقوموا بواجبهم معه، وألا يألو جهداً في نشر الإسلام غبر مبالٍ بالمصاعب والتكاليف كي يحسن التصرف بوراثة محمد صلى الله عليه وسلم في حمل رسالته ويكون له أحسن خليفة. ألا ترى أنه بتجميد المسلمين لرسالتهم شغل أعداؤهم الفراغ الذي أحدثوه، فجندوا عشرات الآلاف من المبشرين ومثلهم من الملاحدة لنشر المسيحية الكاذبة والإلحاد، ففتنوا أولاد المسلمين وأشغلوهم بالملذات والأباطيل حتى جعلوهم كالأنعام، وما الذنب إلا ذنب المسلمين الجامدين القاعدين عن رسالتهم، الواثقين بأعدائهم حيث يتسابقون إلى إدخال أولادهم المدارس التي يدرس بها خريجو مدارس فرنسيس وأفراخ الإفرنج، فهل فاقد الشيء يعطيه؟!! وهل يرجون من شجر الحنظل رماناً أو برتقالاً؟! أم أنهم لما نسوا الله أنساهم أنفسهم؟ فعلى عباد الله الانتباه للواقع السيئ من جديد؛ ليصححوا دينهم ويحققوا عبوديتهم لله.
¥