أخرى.

ومن تمام رحمته أن اختص بالملك والحكم وحده في دار الجزاء، فهو ? مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ? إذ لو جعل الأمر هناك إلى سلاطين البشر ورؤسائهم ووزرائهم ومديريهم كما في الدنيا، لحصل الجور والمحاباة، وكثرت الأثرة والأنانية، ولم يدخل الجنة سوى عدد من محسوبيهم، وقذفوا بسائر الخلق في الجحيم، ولكن رب العزة - جل وعلا - اختص بالحكم في ذلك ليحقق رحمته وعدله وجزيل فضله، فلا تظلم أو تهضم نفس شيئاً وإن كان مثقال ذرة، ولاطمئنان المؤمنين بالغيب لأحكامه في الآخرة رخصت عليهم نفوسهم وأموالهم في ذات الله، فاتصفوا بأشرف السجايا وأكرم الخصال، وسارعوا في الخيرات، وأقدموا وتنافسوا على الجهاد، فنالوا النصر والسؤدد في الدنيا حيث حقت عليهم كلمة ربهم الحسنى، ورحمته الواسعة، وسينالون الجزاء الأوفى في الدار الآخرة، ومن عداهم انعكست أحوالهم بتفريطهم في جنب الله وعدم قيامهم بواجبه.

والدين هنا يطلق لغة على المكافأة والجزاء، وقد ورد الأثر: ((كما تدين تدان)) ويطلق على الطاعة والإخضاع والسياسة، ويقال: ((دانه وتولى سياسته)) ويطلق على الشريعة وما يؤاخذ العباد به من التكاليف، وقد قرئ ? ملك يوم الدين ? بوجوه كثيرة، إلا أنها شاذة، وهي على طريقة الاتساع وبها يجري الظرف مجرى المفعول به فيكون معناه على الظرفية أي: الملك في الدين، ويجوز أن يكون المعنى: (ملك الأمور يوم الدين) فيكون فيه حذف، أما على القراءة المشهورة عند عاصم والكسائي وغيره فتقديرها: (مالك الأمر يوم الدين) أو مالك مجيء يوم الدين، وبصفتها تقتضي حذفاً، فإن قراءة (ملك يوم الدين) أبلغ في المعنى، وأرجح من حيث الدلالة اللغوية؛ لأن الملك أعظم من المالك، إذ قد يوصف كل واحد بالمالك لماله دون الملك، فإنه سيد الناس، ولها تأييد ثالث من القرآن وهو قوله: ? وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ? [الأنعام: 73] وعلى كل حال بقراءة مالك تعطي المراد أيضا، وتخصيصه تعالى لنفسه الحكم في الآخرة نعمة عظيمة يشكره عليها العارفون لضبط الجزاء أولا، ثم يشكرونه لمضاعفة الأمر ثانياً كما سيأتي في بحث الشكر، وأيضا فتخصيصه لنفسه الحكم في الآخرة هو المشجع للمؤمنين بالغيب على تحقيق عبوديته والاستعانة به والتفاني في ذلك.

ولذلك أرشدهم في هذه السورة الكريمة إلى حصرها له حيث قال: ? إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ? بتقديم المفعول وتكريره للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، ولا نتوكل إلا عليك، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين وذلك لأمور ...

معاني العبادة والاستعانة:

أحدها: أن العبادة هي كمال الطاعة والانقياد لأوامر الله والانتهاء عن زواجره، والوقوف عند حدوده، وقبول جميع ما ورد عنه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم دون رد شيء من ذلك أو إلحاد فيه.

ثانيها: أن التذلل والخشوع فيها ناشئ عن حب وتعظيم، فمن خضع لأحد مع بغضه له لا يكون عابداً له ومن أحبه ولم يخضع له بالقبول والانقياد لم يكن عابدا له أيضاً كمحبة الإنسان لوالده أو صديقه، إذ لابد أن يقترن الحب بالتعظيم ليحصل الخضوع والانقياد، فلو حصلا بسبب الخوف والإرهاب لا يكون عبادة، ومن هنا وجبت محبة الله ورسوله وتعظيمها وتقديم محبتهما على كل شيء.

ويشهد لذلك حديث عدي بن حاتم المشهور في الصحاح والمسانيد حيث نص الرسول صلى الله عليه وسلم أن موافقة النصارى لأحبارهم ورهبانهم فيما يشرعونه عبادة لهم، وإن كانوا لا يحسبونه ولا يعتقدونه عبادة، والله سبحانه يقول: ? وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ? [البقرة:165].

ثالثها: من ألزم وأعظم أنواع العبودية أخذ القرآن بقوة، وذلك بالعمل بما فيه، وإقامة حدوده، دون الاقتصار على إقامة حروفه، كما هي الحال عليه في هذا الزمان، وألا يُسطى على نصوصه بالتأويل أو التحريف.

رابعها: العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه، وتعني العمل وفق شريعته سبحانه وتعالى وطبق حدوده. فمن شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، أو قلد متبوعاً محبوباً فيما استهواه فليس عابداً لله كما يفيد معنى الحصر في الآية، بل هو عابد للطاغوت المفتئت على حكم الله.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015