أربعة أطواف، فقال أهل المدينة: ليس عندنا بيت نطوف به، ولكن نجعل بدل كل طواف أربع ركعات، فأوصلوا التراويح إلى تسع وثلاثين ركعة، وبعضهم إلى إحدى وأربعين، وأدركهم الإمام مالك وهم على ذلك، يصلون إلى آخر الليل ولم ينكر عليهم، ولا بَدعَهُم كما فعل هذا الكاتب هداه الله.

ولما اختصت هذه العشر بهذه الميزة رأى العلماء الزيادة في العشر الأواخر بالصلاة آخر الليل، وإن لم يستغرقوا الليل كله كما فعل الصحابة وأبناء الصحابة، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، فصاروا يقومون في آخر الليل، ولكنهم كانوا يطيلون فيصلون عشر ركعات بعد صلاة العشاء في نحو ساعة ونصف أو قرب ساعتين، ثم يستريحون ساعة، ثم يجتمعون ويصلون أربع ركعات في ساعة ونصف، ثم يستريحون نحو ساعة، ثم يقومون ويصلون ست ركعات مع الوتر في نحو ساعتين أو ساعتين ونصف، وينتهون قرب وقت السحر.

ولما كان الوافدون إلى الحرم المكي قد لا يتحملون الإطالة صلى بهم الشيخ/ عبدالله الخليفي، والشيخ/ عبدالمهيمن أبو السمح في أول الليل عشرين ركعة والوتر، ثم صلى بهم الشيخ/ عبدالله الخليفي في آخر الليل عشر ركعات تستغرق نحو ساعتين أو ساعة ونصف، ليحصل له الاقتداء بالصحابة والتابعين، وليحصل له ولمن صلى معه فضل قيام تلك الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر، واقتداء بعلماء أهل السنة، فمن ادعى أنها بدعة فقد أنكر السنة، وأنكر فضل الليالي العشر، وأنكر اهتمام النبي (ص) وصحابته وحرصهم على إحياء تلك الليالي، وصلاة المسلمين أربعة عشر قرنًا لما يسمونه بالتراويح، فقيام آخر الليل داخل في مسمى التراويح التي ذكر العلماء أنها سنة مؤكدة.

وإذا كانت صلاة التراويح لا خلاف في مشروعية أدائها جماعة في المساجد، فلا فرق في صلاتها أول الليل أو آخر الليل، فإن الناس في هذه الأزمنة إنما يصلون أول الليل نحو ساعة ونصف، ومثل هذا لا يسمى إحياء هذه الليالي، وإنما يصدق الإحياء على الصلاة أكثر الليل، ولكن روي عن بعض السلف أنهم قالوا: (ما أغرب السنة، وأغرب منها من يعرفها)، ووصف النبي (ص) آخر الزمان وذكر فيه أن الناس يجعلون السنة بدعة، والبدعة سنة، فإذا غُيرت البدعة قالوا: غُيرت السنة.

وأما صيام ستة أيام من شوال فقد ورد في ذلك حديث أبي أيوب الذي في صحيح مسلم وغيره أن النبي (ص) قال: "من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله"، وهو حديث ثابت، والطعن فيه طعن في صحيح مسلم، وطعن في رواة الصحيحين، وقد رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن سعد بن سعيد بن قيس أخو يحيى بن سعيد، وهو من العلماء المشهورين، وقد روى عن ستة عشر من الصحابة والتابعين، وروى عنه تسعة وعشرون من العلماء، منهم شعبة، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وابن جرير، وأخوه يحيى بن سعيد، وكلهم وثقوا به وتقبلوا روايته، وهذا الحكم لم يتفرد به أبو أيوب، فهناك حديث عن ثوبان 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - رواه الإمام أحمد برقم (22412)، وابن ماجة (1715)، وابن حبان كما في الإحسان (367)، والطبراني في مسند الشاميين (903)، والدارمي (1755)، والنسائي في الكبرى (2860)، وابن خزيمة في صحيحه (2115)، والطحاوي في مشكل الآثار (2348)، والطبراني في الكبير (1451)، والبيهقي (4/ 293)، والخطيب في التاريخ (200/ 362)، وصححه ابن حبان وابن خزيمة، ولما روى ابن حبان حديث أبي أيوب قال: (ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عمر بن ثابت، ولفظه: "من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"، وروى الحديث أيضًا أبو هريرة عند البزار (1060) عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، ولفظه: "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر"، ثم رواه أيضًا برقم (1061) عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة).

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 183) وقال: رواه البزار وله طرق رجال بعضها رجال الصحيح، وقد رواه الإمام أحمد برقم (14302)، (14710)، (14477)، وصححه المحقق، ورواه أيضًا البزار كما في كشف الأستار رقم (1062) عن أبي زرعة عن عمر بن جابر الحضرمي عن جابر، ولفظه: "من صام رمضان وست من شوال كان كصيام الدهر"، وهو عند الإمام أحمد في الموضع السابق ورواه عبد بن حميد (1116)، والبيهقي (4/ 292).

وهذه الأحاديث دالة على شهرة هذه السنة، وكثرة من رواها، فلم ينفرد بها سعد بن سعيد، وأما العلة الثانية فإن النبي (ص) إنما نهى أن يتقدم أحد رمضان بصوم يوم أو يومين، حتى لا يختلط رمضان بشعبان، ومع ذلك فقد ثبت أنه قال لرجل: "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئًا" يعني من شعبان يعني من آخره، قال: لا، قال:"فإذا أفطرت فصم يومين"، وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) يكثر من الصيام في شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلاً ولم يرد أنه نهى عن الصيام في شوال، وأما العلة الثالثة، فلم يثبت أنه (ص) لم يصمه، ولا ثبت أنه نهى عنها، ولا ثبت عن أحد من الصحابة إنكارها، ولا عن أحد من التابعين، وقد كان النبي (ص) يسرد الصيام حتى يقول القائل لا يفطر، وإذا خفيت هذه السنة على مالك فقد عرفها غيره من العلماء، وكم من سنة خفيت على مالك وأبي حنيفة، كخيار المجلس وغيره، وإذا ثبتت في الأحاديث فلا عبرة بمن أنكرها. والله أعلم.

قاله وأملاه

عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين

3/ 11/1428هـ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015