ويظن البعض أن الشرع حرم الحساب مع أن الحديث لا يدل على ذلك بوجه من الوجوه، بل تعلم الحساب والنظر فيه جائز، وقد سماه الله في كتابه علما، وامتن به على عباده، فقال: (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (الإسراء:112)، فمنه ما يكون علما ومنه ما يكون ظنا، وكما لم يدل الحديث على تحريم الكتابة والانتفاع بها فلا يدل على تحريم الحساب والانتفاع به، ولكن يدل على عدم حاجة الأمة في عبادتها له، بل يمكن لأي أحد من الأمة في أي مكان أن يؤدي عبادته كاملة دون حاجة إلى الحساب، وبعض الناس يظن من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إنكار هذا النوع القطعي من الحساب مع أن كلامه يدل على إثباته حيث يقول:
ـ[مسلم طالب العفو]ــــــــ[07 - صلى الله عليه وسلمug-2010, صباحاً 10:58]ـ
وقال يقول: أى شيخ الاسلام بن تيمية
"ومن معرفة الحساب الاستسراروالإبدار الذي هو الاجتماع والاستقبال، فالناس يعبرون عن ذلك بالأمر الظاهرمن الاستسرار الهلالي في آخر الشهر، وظهوره في أوله، وكمال نوره في وسطه، والحُسَّاب يعبرون بالأمر الخفي من اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار ومن استقبال الشمس والقمر الذي هو وقت الإبدار فإن هذا يضبط بالحساب.
وأماالإهلال فلا له عندهم من جهة الحساب ضبط؛ لأنه لا يضبط بحساب يعرف كمايُعرف وقت الكسوف والخسوف؛ فإن الشمس لا تكسف في سنة الله التي جعل لها إلاعند الاستسرار إذا وقع القمر بينها وبين أبصار الناس على محاذاة مضبوطة، وكذلك القمر لا يخسف إلا في ليالي الإبدار على محاذاة مضبوطة لتحول الأرضبينه وبين الشمس فمعرفة الكسوف والخسوف لمن صح حسابه مثل معرفة كل أحد أنليلة الحادي والثلاثين من الشهر لابد أن يطلع الهلال، وإنما يقع الشك ليلةالثلاثين. فنقول الحاسب غاية ما يمكنه إذا صح حسابه أن يعرف مثلا أنالقرصين اجتمعا في الساعة الفلانية، وأنه عند غروب الشمس يكون قد فارقهاالقمر إما بعشر درجات مثلا أو أقل أو أكثر، والدرجة هي جزء من ثلاثمائةوستين جزءا من الفلك. فإنهم قسموه اثني عشر قسما سموها "الداخل" كلبرج اثنا عشر درجة وهذا غاية معرفته وهي بتحديد كم بينهما من البعد في وقتمعين في مكان معين. هذا الذي يضبطه بالحساب، أما كونه يُرى أو لا يُرىفهذا أمر حسي طبيعي ليس هو أمرا حسابيا رياضيا، وإنما غايته أن يقول:استقرأنا أنه إذا كان على كذا وكذا درجة يُرى قطعا أو لا يُرى قطعا. فهذاجهل وغلط؛ فإن هذا لا يجري على قانون واحد لا يزيد ولا ينقص في النفيوالإثبات، بل إذا كان بعده مثلا عشرين درجة فهذا يُرى ما لم يحل حائل، وإذاكان على درجة واحدة فهذا لا يُرى.
وأما ما حول العشرة فالأمر فيه يختلفباختلاف أسباب الرؤية من وجوه:
أحدها: أنها تختلف؛ وذلك لأن الرؤية تختلفلحدة البصر وكلاله، فمع دقته يراه البصر الحديد دون الكليل، ومع توسطه يراهغالب الناس. وليست أبصار الناس محصورة بين حاصرين. ولا يمكن أن يقال يراهغالب الناس ولا يراه غالبهم؛ لأنه لو رآه اثنان علق الشارع الحكم بهمابالإجماع، وإن كان الجمهور لم يروه. فإذا قال لا يُرى بناءً على ذلك كان مخطئافي حكم الشرع، وإن قال يُرى بمعنى أنه يراه البصر الحديد. فقد لا يتفق فيمنيتراءى له من يكون بصره حديدا فلا يلتفت إلى إمكان رؤية من ليس بحاضر.
السبب الثاني: أن يختلف بكثرة المترائين وقلتهم، فإنهم إذا كثروا كان أقربأن يكون فيهم من يراه لحدة بصره وخبرته بموضع طلوعه والتحديق نحو مطلعه، وإذا قلوا فقد لا يتفق ذلك فإذا ظن أنه يُرى قد يكونون قليلا فلا يمكن أنيروه، وإذا قال: لا يُرى فقد يكون المتراءون كثيرا، فيهم من فيه قوة علىإدراك ما لم يدركه غيره.
السبب الثالث: أنه يختلف باختلاف مكان الترائي، فإن من كان أعلى مكانا في منارة أو سطح عال أو على رأس جبل ليس بمنزلة منيكون على القاع الصفصف أو في بطن واد. كذلك قد يكون أمام أحد المترائينبناء أو جبل أو نحو ذلك يمكن معه أن يراه غالبا وإن منعه أحيانا، وقد يكونلا شيء أمامه.
فإذا قيل: يُرى مطلقا لم يره المنخفض ونحوه، وإذا قيل لايُرى فقد يراه المرتفع ونحوه، والرؤية تختلف بهذا اختلافا ظاهرا.
¥