هذه القاعدة تعتبر قيداً لقاعدة: "الضرر يزال" التي أوجبت إزالة الضرر قبل وقوعه ودفعه بعد وقوعه؛ فإزالة الضرر لا يجوز أن تكون بإحداث ضرر مثله؛ لأن هذا ليس إزالة؛ ومن باب أوْلى أن لا يزال الضرر بضرر أعظم منه؛ فالشرط أن يزال الضرر بلا إضرار بالغير، فإن أمكن وإلا فبأخف منه.
وعلى ذلك لا يجوز لإنسان محتاج إلى دفع الهلاك عن نفسه جوعاً أن يأخذ مال محتاج مثله، كما لا يجوز لمن أُكره على القتل أن يقتل إذا كان المراد قتله مسلماً بغير وجه حق.
وإذا ظهر في المبيع عيب قديم وحدث عند المشتري عيب جديد امتنع رد المبيع بالعيب القديم لتضرر البائع بالعيب القديم إلا أن يرضى (9).
((الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف))
((اختيار أهون الشرين أو أخف الضررين))
((إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما)) (10)
هذه القواعد الثلاث ممتدة المعنى؛ أي أن الأمر إذا دار بين ضررين أحدهما أشد من الآخر فيتحمل الأخف ولا يرتكب الأشد.
والأصل في هذه القواعد قولهم: "إن من ابتلي ببليتين وهما متساويتان يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلفتا يختر أهونهما؛ لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة" (11).
فلو كان برجل جرح لو سجد سال دمه فإنه يومئ ويصلي قاعداً؛ لأن ترك السجود مع المحدث أهون من ترك الصلاة مع المحدث، وترك السجود هنا أيضاً يدفع عن الجريح ضرر خروج الدم ونزفه، وكذا لو أن مصلياً لو صلى قائماً فإنه ينكشف من عورته ما يمنع جواز الصلاة، ولو صلى قاعداً فلا ينكشف منه شيء فإنه يصلي قاعداً؛ لأن ترك القيام أهون.
ولو ابتلعت دجاجة شخصٍ لؤلؤة ثمينة لغيره؛ فلصاحب اللؤلؤة أن يمتلك الدجاجة بقيمتها ليذبحها، وكذا جاز شق بطن المرأة الميتة لإخراج الجنين إذا كانت ترجى حياته.
((يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام))
هذه القاعدة مبنية على المقاصد الشرعية في مصالح العباد؛ واستخرجها المجتهدون من الإجماع ومعقول النصوص؛ فالشرع جاء ليحفظ على الناس دينهم وأنفسهم وعقولهم وأنسابهم وأموالهم؛ فكل ما يؤدي إلى الإخلال بواحد منها فهو مضرة يجب إزالتها ما أمكن؛ تأييداً للمقاصد الشرعية بدفع الضرر الأعم بارتكاب الأخص؛ ولهذه الحكمة شرعت الحدود وشرع القصاص.
ومن فروع هذه القاعدة: جواز رمي كفار تترسوا بالأسرى من المسلمين أو صبيانهم أو نسائهم لدفع ضرر زحفهم عن العموم (12).
وجاز حجر المغنِّي الماجن صيانة لدين الناس، والحجر على الطبيب الجاهل حرصاً على أرواحهم، وعلى المكاري (13) المفلس حرصاً على أموالهم وأوقاتهم، وكذا جاز التسعير على الباعة دفعاً لضررهم عن العامة أو بيع أموال المحتكرين المحتكَرة وإن أضرهم ذلك دفعاً لضرر الاحتكار عن العامة.
((درء المفاسد أوْلى من جلب المنافع)) (14)
فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة قُدِّمَ رفع المفسدة؛ لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، والمراد بدرء المفاسد ورفعها وإزالتها لما يترتب على المفاسد من ضرر جسيم ينافي حكمة الشارع في النهي.
ودليل هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم" (15).
ومن أمثلة هذه القاعدة
منع التجارة في المحرمات من خمر ومخدرات وخنزير، ولو أن فيها أرباحاً ومنافع اقتصادية.
منع مالك الدار من فتح نافذة تطل على مقر نساء جاره؛ ولو كان فيها منفعته.
منع الجار من التصرف في ملكه تصرفاً يضر بجيرانه؛ كاتخاذ معصرة أو فرن يؤذي الجيران بالرائحة أو الدخان.
ومثل هذه القاعدة قولهم: "إذا تعارض المانع والمقتضي يُقدَّم المانع، إلا إذا كان المقتضي أعظم" والمراد بالمقتضي هنا: الأمر الطالب للفعل؛ فوجود المانع يمنع من الفعل غالباً.
وقولهم أيضاً: "إذا اجتمع الحلال والحرام أو المبيح والمحرم غلب الحرام".
الخاتمة
لقد حرص الإسلام على رفع الضرر عن العبد بعد وقوعه، كما حرص على دفعه قبل وقوعه بشتى الوسائل والأساليب الناجعة والإجراءات والتدابير الرادعة؛ مما يحقق للعبد المصلحة، ويدفع عنه المفسدة وفقاً لنظرية المصالح والمفاسد التي تقتضيها المقاصد الشرعية لحفظ نفس العبد ودينه وعرضه وعقله وماله.
¥