العهد في قوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ , فسر بالعقد، وفسر باليمين، فالعهد بمعنى العقد كما قال جل وعلا في سورة الاسراء 34: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا , وقال جل وعلا في مستهل سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فالعقد والعهد بمعنى؛ فلهذا فُسِّر وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ , بأنها العقود التي تكون بين الناس، وفُسِّر العهد هنا بأنه اليمين، ودل عليه قوله بعدها: وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا

فيجب الوفاء بالعقد، ويجب الوفاء باليمين تعظيما لحق الله جل وعلا؛ لأن من أعطى اليمين بالله فإن معناه أنه أكد وفاءه بهذا الشيء الذي تكلم به، وأكد ذلك بالله جل جلاله، فإذا خالف وأخفر فمعنى ذلك أنه لم يُعظم الله جل جلاله تعظيما خاف بسببه من أن لا يقيم ما يجب لله جل وعلا من الوفاء باليمين؛ ولهذا قال: وَلا تَنْقُضُوا الأََيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا

حين استشهدتم الله جل جلاله، أو حين حلفتم بالله جل جلاله؛ لهذا كفارة اليمين واجبة على ما هو مفصل في موضعه من كتب الفقه والحديث.

ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، ففيه تعظيم الله جل جلاله, بألاّيُعطي العبد الناس بذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم، بل أن يعطي بذمته هو، وفي هذا تنبيه عظيم لأهل التوحيد، وطلبة العلم الذين يهتمون بهذا العلم، ويعرف الناس منهم أنهم يهتمون بهذا العلم، ألا يبدر منهم ألفاظ أو أفعال تدل على عدم تمثلهم بهذا العلم.

فإن التوحيد هو مقام الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومقام أولياء الله الصالحين، فأن يتعلم طالب العلم مسائل التوحيد، ثم لا تظهر على لسانه، أو على جوارحه، أو على تعامله، لا شك أن هذا يرجع (ولو لم يشعر) يرجع إلى اتهام ذلك الذي حمله من التوحيد، أو من العلم الذي هو علم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.

فتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه

لأجل أنه قد يُدخَل على أهل الإسلام، أو على الدين في نفسه من جهة فعلهم، فيخفرون هذه الذمة، فيرجع الإخفار ذلك إلى اتهام ما حملوه من الإسلام ومن الدين

فهذه مسألة عظيمة، فتستحضر أن الناس ينظرون إليك، خاصة في هذا الزمان الذي هو زمان شُبَهٍ وزمان فتن، ينظرون إليك أنك تحمل سنة، تحمل توحيدا، تحمل علما شرعيا، فلا تعاملهم إلا بشيء يكون معه تعظيم الرب جل وعلا، وتجعل أولئك يعظمون الله -جل وعلا- بتعظيمك له، ولا تخفر في اليمين، ولا تخفر في ذمة الله، أو تكون في الشهادة حائفا، أو في التعامل حائفا؛ لأن ذلك منقص لأثر ما تحمله من العلم والدين، فتذكر هذا

وتذكر أيضا قوله عليه الصلاة والسلام هنا: وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا

وذلك حتى إذا كان غلط فيكون الغلط منسوبا إلى من حَكم؛ إلى هذا البشر؛ ولا يكون منسوبا إلى حكم الله؛ فيصد الناس عن دين الله.

وكم من الناس ممّن يحملون سُنة أو علما أو يحملون استقامة, يسيئون بأفعالهم وأقوالهم لأجل عدم تعلمهم، أو فهمهم ما يجب لله جل وعلا , وما يجب لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وما يدعوهم إليه الرب الكريم جل وعلا وتعالى وتقدس، نبرأ إلى الله جل وعلا من كل نقص، و نسأله أن يعفو ويتجاوز ويرحمنا جميعا.

والله وحده أعلم بغيبه

رحم الله شيخنا وشيخ الاسلام ابن تيمية على هذا التوضيح وجمعنا الله به في مستقر رحمته في مقعد صدق عند مليك مقتدر, انه وحده عزوجل وليُّ ذلك والقادر عليه.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015