بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُجَرَّدِ الذُّنُوبِ وَيُؤْمِنُونَ بِالشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ عُقُودِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَسَمَّوْا أُصُولَ اعْتِقَادِهِمْ شَرِيعَتَهُمْ وَفَرَّقُوا بَيْنَ شَرِيعَتِهِمْ وَشَرِيعَةِ غَيْرِهِمْ. وَهَذِهِ الْعَقَائِدُ الَّتِي يُسَمِّيهَا هَؤُلَاءِ الشَّرِيعَةَ هِيَ الَّتِي يُسَمِّي غَيْرُهُمْ عَامَّتَهَا " الْعَقْلِيَّاتِ " و " عِلْمَ الْكَلَامِ " أَوْ يُسَمِّيهَا الْجَمِيعُ " أُصُولَ الدِّينِ " وَيُسَمِّيهَا بَعْضُهُمْ " الْفِقْهَ الْأَكْبَرَ " وَهَذَا نَظِيرُ تَسْمِيَةِ سَائِرِ الْمُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الْبَابِ " كِتَابَ السُّنَّةِ " كَالسُّنَّةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد وَالْخَلَّالِ والطبراني وَالسُّنَّةِ للجعفي وَلِلْأَثْرَمِ وَلِخَلْقِ كَثِيرٍ صَنَّفُوا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ وَسَمَّوْا ذَلِكَ كُتُبَ السُّنَّةِ لِيُمَيِّزُوا بَيْنَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَقِيدَةِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ. فَالسُّنَّةُ كَالشَّرِيعَةِ هِيَ: مَا سَنَّهُ الرَّسُولُ وَمَا شَرَعَهُ فَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا سَنَّهُ وَشَرَعَهُ مِنْ الْعَقَائِدِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا سَنَّهُ وَشَرَعَهُ مِنْ الْعَمَلِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ كِلَاهُمَا. فَلَفْظُ السُّنَّةِ يَقَعُ عَلَى مَعَانٍ كَلَفْظِ الشِّرْعَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} سُنَّةً وَسَبِيلًا. فَفَسَّرُوا الشِّرْعَةَ بِالسُّنَّةِ وَالْمِنْهَاجَ بِالسَّبِيلِ. وَاسْمُ " السُّنَّةِ " و " الشِّرْعَةِ " قَدْ يَكُونُ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَقْوَالِ؛ وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْأَفْعَالِ. فَالْأُولَى فِي طَرِيقَةِ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَالثَّانِيَةُ فِي طَرِيقَةِ الْحَالِ وَالسَّمَاعِ وَقَدْ تَكُونُ فِي طَرِيقَةِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالسِّيَاسَاتِ السُّلْطَانِيَّةِ. فَالْمُتَكَلِّمَةُ جَعَلُوا بِإِزَاءِ الشَّرْعِيَّاتِ الْعَقْلِيَّاتِ أَوْ الْكَلَامِيَّاتِ وَالْمُتَصَوِّفَةُ جَعَلُوا بِإِزَائِهَا الذَّوْقِيَّاتِ وَالْحَقَائِقَ وَالْمُتَفَلْسِفَة جَعَلُوا بِإِزَاءِ الشَّرِيعَةِ الْفَلْسَفَةَ وَالْمُلُوكُ جَعَلُوا بِإِزَاءِ الشَّرِيعَةِ السِّيَاسَةَ. وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ وَالْعَامَّةُ فَيُخَرِّجُونَ عَمَّا هُوَ عِنْدَهُمْ الشَّرِيعَةَ إلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ يَجْعَلُونَ بِإِزَائِهَا الْعَادَةَ أَوْ الْمَذْهَبَ أَوْ الرَّأْيَ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الشَّرِيعَةَ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَامِعَةٌ لِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَا خَالَفَ الشَّرِيعَةَ مِنْهَا فَهُوَ بَاطِلٌ وَمَا وَافَقَهَا مِنْهَا فَهُوَ حَقٌّ؛ لَكِنْ قَدْ يُغَيَّرُ أَيْضًا لَفْظُ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ فَالْمُلُوكُ وَالْعَامَّةُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّرْعَ وَالشَّرِيعَةَ اسْمٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَضَاءَ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَإِلَّا فَالشَّرِيعَةُ جَامِعَةٌ لِكُلِّ وِلَايَةٍ وَعَمَلٍ فِيهِ صَلَاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالشَّرِيعَةُ إنَّمَا هِيَ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ. وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَالسِّيَاسَاتِ وَالْأَحْكَامِ وَالْوِلَايَاتِ وَالْعَطِيَّاتِ. ثُمَّ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي كَلَامِ النَّاسِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ: شَرْعٌ مُنَزَّلٌ وَهُوَ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَشَرْعٌ مُتَأَوَّلٌ وَهُوَ: مَا سَاغَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ. وَشَرْعٌ مُبَدَّلٌ وَهُوَ: مَا كَانَ مِنْ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ الَّذِي يَفْعَلُهُ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015